دمشق | منذ إعلان المصرف المركزي السوري طباعة عملة جديدة، سرت شائعة بأن هذه العملة ستكون غير مطابقة للمواصفات ولا تصلح سوى للتداول الداخلي أو في لبنان كأقصى حدّ، ما دفع الشارع السوري إلى حبس الأنفاس خوفاً من انهيار مفاجئ لليرة السورية، بعدما فقدت حوالى أربعين في المئة من قيمتها منذ اندلاع الأزمة السياسية في منتصف آذار قبل الماضي.


وقد دفعت بعض المؤشرات في الداخل السوري، وما يتعرّض له المواطنون من ضغوط اقتصادية، مع استمرار الشكوك بقدرة النظام على التماسك اقتصادياً، الكثير من المواطنين السوريين الى تصديق الشائعة التي تقول إن عملة جديدة لا تحمل أي قيمة حقيقية، وقد طبعتها الحكومة وطرحتها في الأسواق السورية بعدما رفضت سويسرا تسليم السلطات السورية أوراقاً نقدية كانت قد طبعتها، التزاماً منها بالعقوبات المفروضة على النظام السوري.
وهكذا، صارت هذه الشائعة تكبر مثل كرة الثلج، رغم أن السوريين لم يواجهوا أي مشاكل تذكر أثناء تداولهم بعملتهم المحلية، أو حتى عند تصريفها خارج البلاد. لكن البعض برّر تصديقه للشائعة بوجود فارقين بسيطين في ورقة الخمسمئة ليرة السورية، وتحديداً المطبوعة حديثاً. ولم تتوقف الشائعة هنا، بل تعدّت ذلك لتتحول إلى معلومات شبه أكيدة عن طباعة الحكومة السورية أموالاً في موسكو، والتلميح لذلك بأكثر من تصريح رسمي حول الدعم الذي يتلقاه النظام السوري من روسيا، ومن ضمنه الدعم الاقتصادي، وعزّز من ذلك زيارة وزير المال السوري محمد جليلاتي الأخيرة لموسكو.
في هذه الأثناء، عادت شائعة عملة التداول الداخلي، أو المزوّرة، كما يحلو لبعض السوريين أن يسميها، إلى الواجهة، وتركزت حول قطعة الخمسمئة ليرة سورية تحديداً. وذهب بعض الأطراف الى الربط بين هذا الموضوع وبين العملة التي طُبعت في روسيا. واعتبرت هذه الجهات أن العملة التي طُبعت في روسيا غير مطابقة للمواصفات. في ظل معمعة الشائعات هذه، خرج حاكم دمشق المركزي منذ عدّة أيام لينفي الشائعات وما تروّجه وكالات الأنباء، نقلاً عن مصرفيين سوريين، حول قيام مصرف سوريا المركزي بطباعة أوراق نقدية جديدة وطرح كميات تجريبية منها للتداول في دمشق وحلب، مبيّناً أنّ ما حصل لا يتعدّى استبدال الأوراق التالفة بأوراق جديدة، وأكد أن طباعة الأموال حصلت فعلياً، لكن بهدف استبدال المال التالف. وفي السياق نفسه، يوضح أحد أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق لـ«الأخبار»، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أنه «لا يجوز التشكيك بالعملة السورية وأنه لم يسبق أن رفضت أي دولة عربية أو أجنبية تبديل العملة السورية المحلية أو تصريفها، وبالعموم فإن الليرة السورية عملة محلية وليست عالمية، أي لا يتم تداولها كثيراً خارج حدود الجمهورية العربية السورية». ويشير الى أن «البعض تحدث عن وجود أخطاء فنية في بعض الأوراق النقدية السورية من فئة 200 أو 500، لكن هذا الادعاء غير مؤكد على أرض الواقع ولم يثبته أحد، وهو لم يؤثر على سلامة الليرة السورية وحجم التداول التجاري بها مع الدول العربية الشقيقة، على أقل اعتبار مثل لبنان والأردن، كونه يمكّن التاجر السوري من أن يتعامل مع هذه الدول بالعملة السورية المحلية».
وكما هو معروف، فإن أي دولة لا تقدم على طباعة كمية من المال من دون تغطية هذا المال بعمليات تجارية تساعد على عدم حدوث تضخم نقدي وهبوط سعر هذه العملة على نحو كبير. ويقول المحلل الاقتصادي، عدنان عبد الرزاق، لـ«الأخبار»، «إنه من غير الممكن لأي دولة في العالم أن تطبع ورق نقدي غير صالح للتداول، لأن موضوع العملة ليس فقط أداة للتداول، وإنما له علاقة مباشرة بهيبة الدولة». ويلفت إلى أن «التفكير بطباعة أوراق نقدية مزورة تليق بالعصابات والمافيات، ولا يمكن لدول أن تفكر بها، وخصوصاً إذا كانت دولة مثل سوريا تُستهدف بوضوح في هذه الأثناء، ولا يمكن أن يتم توفير الجانب الاقتصادي من هذا الاستهداف، فكيف لها أن تسدي مثل هذه الخدمة الجلية لخصومها؟». قبل أن يضيف «ثم من المعروف أنه في ثمانينيات القرن الماضي وفي لحظات مفصلية أخرى، عانى فيها الاقتصاد السوري من مطبات كبيرة، لجأت الحكومة السورية آنذاك إلى دول آسيا مثل اليابان والهند وطبعت عملتها هناك». وعن العملة الجديدة التي طُبعت في موسكو، يقول عبد الرزاق إنها «لم تُطرح للتداول حتى الآن، لكن الحكومة السورية تحفظت على خبر طباعة الأموال في موسكو لعدة أيام حرصاً منها على العامل النفسي لدى الناس، والذي يساهم على نحو كبير في سعر الصرف». ويشرح أن «هناك أسئلة عديدة تطرح نفسها وهي على غاية من الأهمية، هل يا تُرى الخطوة في جمع فائض السيولة من العملة السورية الموجودة في أسواق الدول المجاورة؟ وخصوصاً أنّ سوريا لُدغت من جهة النقد، الذي استُهدف في بدايات الأزمة الى درجة أنّه فقد جزءاً كبيراً من قيمته قياساً بالعملات الرئيسية». ويضيف إنه «سبق أن وصل سعر صرف الدولار الى ما يتجاوز المئة ليرة سورية، إلى أن تدخل المصرف المركزي مباشرة وضخ كتلات من العملات الصعبة أعادت الأمور إلى ما يقارب معدلاتها».
من جهة ثانية، يدق عبد الرزاق ناقوس الخطر الذي بات يحدق بالليرة السورية من جديد، بسبب وجود ستة أسعار لصرف لليرة السورية، وهذه دلالات على ضعف السياسة الاقتصادية عموماً والنقدية على وجه التحديد. وفي السياق نفسه، ينتقد عبد الرزاق خطوة طباعة الأوراق النقدية الجديدة، لأنها ستتأذى لجهة الإنفاق، لأن المصرف لديه كتلات من العملة الأميركية محدودة، وتدخل في رهان جميع الأطراف التي تخاصم النظام السوري، والتي تتوقع نفاد هذه العملة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انهيار الليرة السورية. وهنا يتساءل الخبير الاقتصادي «هل يعقل أن يغامر البنك المركزي بما لديه لجمع ما لدى الدول المجاورة من عملة سورية كي لا تكون عملتها خاصرة رخوة يمكن تناولها من دول الجوار؟». قبل أن يستطرد «وإن طُبعت أوراق نقدية جديدة، يمكنها أن تضبط كتلة التداول في السوق السورية، عندها يمكنها أن تتدخل بهدوء بعد الحسبة الدقيقة لتعرف الفائض عن الاستهلاك والتداول لتواجه التضخم الذي لحق بالليرة السورية». ورغم أن إطلالة حاكم مصرف دمشق المركزي كانت لتطمئن الجميع بأنّ الكتل النقدية التي ستدخل السوق سوف توازي الكتل التي ستخرج منه، فإن عبد الرزاق يرى أن هذا الكلام لا يعدو كونه للطمأنة أكثر من كونه حديثاً واقعياً، ويضيف «قد يكون هناك طبع زائد للعملة عما سيسحب من السوق. وكنت أتمنى أن يدخل في خانة سحب العملة من غير أسواقها بهدف ضبط أدائها». ويشير عبد الرزاق إلى أنّ الأزمة أطلعت المواطن السوري على فداحة بعض الأخطاء، التي ارتكبها بعض أصحاب القرار من الجانب النقدي في سوريا، ووحده المواطن السوري هو من دفع أثماناً باهظة لتلك القرارات المتسرعة.