الخرطوم | كانت نبرة الحماسة، التي كان يتحدث بها الشاب العشريني، لافتة للانتباه، وهو ينقل عبر هاتفه الجوال، أثناء سيره في أحد شوارع الخرطوم الفرعية، إلى محدثه في الطرف الآخر، كيف أنهم خرجوا إلى الشارع لليوم الخامس على التوالي. قال له، وعلامات الغبطة والسرور تبدو على محياه وبصوت مرتفع، «لو انضم إلينا حزب أو حزبان من أحزاب المعارضة لكنا دخلنا القصر الجمهوري».


ورغم أن التظاهرات التي تشهدها العاصمة الخرطوم تبدو كأنها معزولة ومحصورة بفئة الطلاب فقط، إلا أن وتيرتها آخذة في التصاعد شيئاً فشيئاً، بعد انضمام عدد من المواطنين الغاضبين على الحكومة السودانية وسياساتها الاقتصادية. وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصور وثّقت عمليات الاقتحام والمطاردة التي مارسها أفراد الشرطة ضد المتظاهرين، فيما طالب ناشطون على تلك الصفحات الشعب السوداني بالخروج اليوم الجمعة في تظاهرة احتجاجية، أطلقوا عليها جمعة «الكرامة والحرية».
وروى شهود عيان أن محتجين أضرموا النار في محطة المواصلات الرئيسية، وسط الخرطوم، وشوهد تصاعد كثيف للدخان في تلك المنطقة، بينما طوق عناصر من الشرطة مكان الحادث بالكامل، وعمدوا إلى تفريق المتحجين وإغلاق الشوارع الفرعية المؤدية إلى الشوارع الرئيسية، تحسّباً من تمدد الاحتجاجات الى شوارع أخرى، فيما سرت شائعة قوية أمس تؤكد وفاة أحد طلاب جامعة السودان بعد تعرضه للتعذيب على أيدي أفراد الأمن. لكن ناشطين نفوا ذلك الخبر، مؤكدين أن مقتل الطالب مجرد شائعة لا أساس لها من الصحة. غير أن الناشطين الذين يديرون عملية التنسيق بين المجموعات الطلابية حذروا من استخدام السلطات الأمنية للقوة المفرطة، مشيرين إلى أنها ستؤدي إلى إشعال الثورة وجعلها تسير نحو منحى آخر.
في الوقت ذاته، استمرت السلطات السودانية في سياسة التعتيم الكامل على هذه التظاهرات، بعدما عادت «الرقابة القبلية» على الصحف بصورة مكثفة. كما عمدت أجهزة الأمن إلى اعتقال مراسلة وكالة أنباء «بلومبرج» الأميركية، الصحافية المصرية سلمى الورداني، أثناء قيامها بتغطية الاحتجاجات داخل جامعة الخرطوم.
وقد أفادت مصادر لـ«الأخبار» بأنه تم الإفراج عن الصحافية المصرية، بعد تحركات مكوكية قادتها الخارجية المصرية مع السلطات المحلية. واللافت أن عدداً من أبناء الجالية المصرية في الخرطوم تجمعوا أمام القنصلية المصرية، منددين باعتقال الورداني. كما تعرض صحافيون سودانيون للاعتقال أثناء تصويرهم للتظاهرات في كلية المصارف، وأطلق سراحهم بعد تدخل نافذين في حزب المؤتمر الوطني الحاكم لدى السلطات الأمنية.
وأكد عدد من الطلاب الغاضبين، الذين خرجوا في التظاهرات، لـ«الأخبار»، أن المسيرات الاحتجاجية والتظاهرات لن تتوقف إلا بعد رحيل نظام الرئيس السوداني عمر البشير، الذين اتهموه بأنه أدخل السودان في عنق الزجاجة بعد رفع الدعم عن الوقود والمحروقات، ما أثر بصورة مباشرة على حياة الفقراء والسواد الأعظم من السودانيين. وتعهد الطلاب باستمرار التظاهرات خلال العطل الرسمية، بما فيها أيام الجمعة.
وبدا أن المعارضة الداخلية والخارجية أرادت اللحاق بركب الثورة، حيث نظمت القوى المعارضة أول من أمس ندوة سياسية بدار حزب الأمة المعارض تتعلق بالوضع السياسي الراهن والضائقة الاقتصادية، خرج بعدها المشاركون في تظاهرات ليلية تصدت لها قوات مكافحة الشغب بعنف وضربت المحتجين ضرباً مبرحاً. وكان للأحداث الداخلية صدى في الخارج، حيث أصدر المعارض السوداني، رئيس «الجبهة الوطنية العريضة» علي محمود حسنين، بياناً دعا فيه القوات المسلحة وقوات الشرطة إلى «الامتناع عن مواجهة الشعب أو التصدي لثورته». ووجه حسنين خطابه إلى ضباط الجيش السوداني وجنوده، قائلاً «إنكم لستم أقل وطنية من القوات المسلحة في تونس، التي رفضت أن تلحق الأذى بالمتظاهرين وانحازت للثورة».