تونس | جاء المنصف المرزوقي إلى سدة الرئاسة الأولى في تونس بعد إطاحة زين العابدين بن علي، مدعوماً بثقة كبيرة من التونسيين منحوه إياها على خلفية تاريخه النضالي في مناهضة بن علي. ثقة جعلت الكثيرين يرونه صمام أمام «استفراد» النهضة وحكم «الإخوان»، فيما علق عليه بعض «الصقور» آمالاً في أنه سيكون حامياً للمدنية من «الثيوقراطية الدينية» نحو ديموقراطية. ثقة الناس بالمرزوقي أخذت تتلاشى مع انكشاف المستور، وبعدما تحدد مصير من هو «الملك»، بقول الوزير الأول، حمادي الجبالي، «كش، أو تموت».


ظهر المرزوقي قائداً للعلمانية والمدنية، وأصرّ على تحقيق «حلم الصغر» و«أيام التيه في باريس»، أي الرئاسة، ولا شيء غير الرئاسة، فكان له ذلك وتحقق الحلم، لكن بشروط جعلته «رئيساً على القصر» لا البلد، حيث جرد من قدرته على الحكم واتخاذ القرارات. وأخذ الدكتور منذ يوم وصوله إلى قصر قرطاج في حبك قصته الخاصة ونسجها على منوال مثالي أراده وحلم به، لكنه سقط في «أتون الظلام»، عندما أعلن انضمامه إلى حلف «الأمير» ووزيره «المكيافيلي» في نسخة إسلامية، قبيل عودته إلى تونس من عاصمة الضباب لندن.
أسندت إلى المرزوقي مهمات جديدة وصلاحيات «شعبوية» استمتع بها، وضحك عليه الجميع. كان يستقبل الضيوف في قصر ظنه الجميع أنه استثناء على الجميع، وأخذ يرشد الزوار ويطلعهم على غرفه، بعيداً عن السياسة، بما يشبه المرشدين السياحيين في قصر برمينغهام الملكي في بريطانيا: «فهنا غرفة نوم الزعيم، وهناك كان المخلوع يجلس، وهذا مكتبي، وذاك مكان اجتماع الترويكا، وهذه صالة المؤتمرات» إلخ.
أبدع المرزوقي في عمله الجديد، كما أبدع في الوعود «الشعبوية» والتصرف بطرق غريبة عن أي «رئيس». لبس البرنس، في دلالة على تشبثه بالتقاليد، وانتزع ربطة العنق كـ«ابتعاد» عن رمز الإمبريالية الغربية، واستقبل وسائل الإعلام وأتاح لها معرفته في الشق الآخر من حياة «الرئيس»، وكأنه يريد أن يكتب في التاريخ أنا «رئيس من الشعب» و«أسعى إلى خيره».
ورغم هذا، أعجب المرزوقي دور النجم أمام شاشات الكاميرا، ونسي أنه في الواقع، وأن هناك عائلات جائعة وجرحى للثورة يسعون إلى التداوي، ونسي «دوره الجوهري» الذي يجب عليه اتباعه، واتخاذه في زمن ما بعد الثورة، في حينما تربض حكومة تعجز عن القيام بعملها، ومجلس تأسيسي عاجز عن كتابة الدستور، وفي وقت بات فيه المجتمع منقسماً بين «كافر» و«مسلم»، وحداثي وظلامي، وأخذ «الحكم الرشيد» يصيب الهوية التونسية في صميمها الثقافي وجوهرها المدني.
هذا التفنن أمام الكاميرا، حتم على المرزوقي أن يطرح جملة من الوعود والمبادرات، وهو من أكد يوماً أنه سيقدم استقالته إذا لم يتحسن الاقتصاد، متحدثاً عن هدنة اجتماعية، لكن في المحصلة النهائية «لا الهدنة التأمت، ولا المبادرة عقدت» ولا اقتصاد تحسن، ولا المرزوقي قدم استقالة. لكنه قالها مؤكداً في ثلاث مرات: «لن أستقيل». ثم عاد وأكد أنه سيعقد مناظرات مع زعماء السلفية في البلاد، لكن لا حوار عُقد ولا حديث جاداً مع سلفيين جرى، بل كانت البلاد ساحة مفتوحة أمام الدعاة وغير «الدعاة» من أئمة الظلامية، الذين زادوا الطين بلة بين أبناء الوطن الواحد.
ولم يكتف المرزوقي، بل ذهب أبعد من ذلك عندما تحدى «ماكيافيليي» الحكومة، بأن أعلن رفضه تسليم البغدادي المحمودي، فيما ردّ عليه «الخليفة السادس» بأن تسليم المحمودي سيحصل، رغم أنف الرئيس، وهو ما حدث.
لقد أضحى الحقوقي، الذي كان دائماً يدافع عن الحرية والديموقراطية، وحقوق الإنسان، ينعم بسجن وردي، وأخذ يشدو في برج عاجي «كمثقف عضوي» بعيداً عن الواقع، بعدما كان حارساً للحرية في المنفى وسجون الديكتاتور، وأصبح اليوم حبيس «قفص كبير» دفع ثمنه لحظة تخليه عن صلاحياته، فأضحى كطير بلا أجنحة وفارساً بلا جواد.