ما إن أنهت الجموع المحتشدة احتفالاتها في ميادين مصر ابتهاجاً بفوز محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية، حتى توجهت أنظارها إلى شاشة التلفزيون المصري لمتابعة أول خطاب رسمي «مسجَّل» يلقيه مرسي للشعب، عقب إعلان فوزه بهذا المنصب. التسجيل الذي استغرق إلقاؤه قرابة 26 دقيقة، سجل نسبة مشاهدة عالية على المقاهي الشعبية.


وبالرغم من أن خطاب مرسي لم يذكر تفاصيل كثيرة أو يقدم وعوداً محددة قاطعة، إلا أنه نال قبول العديد من القطاعات التي شاهدته، ولا سيما بعدما ذكر لأول مرة في خطاب رئاسي فئات محددة كسائقي «التوك توك». وبدا خطابه مختلفاً عن خطابات الرئيس المخلوع حسني مبارك، بما أشعر الناس بوجود فارق ما في مرحلتي ما قبل الثورة وما بعدها.
وتركز خطاب مرسي على عموميات اتصلت بتأكيد حقوق الشهداء واستمرار الثورة والتزام مصر تعهداتها الدولية. ومدح رجال القوات المسلحة والقضاء والشرفاء من رجال الشرطة. وذكر فئات المجتمع بأشكالها المختلفة. وشدد كذلك على استقلال القضاء والعدالة الناجزة، مركزاً في خطابه على الاستشهاد بالآيات القرآنية والمأثورات الدينية.
الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز، علّق لـ«الأخبار» على شكل الخطاب وطبيعته، قائلاً إن «مرسي يمتلك قدرة لغوية معقولة مقارنةً بمرشح مثل أحمد شفيق، ولديه خلفية ثقافية مقبولة، رغم أنه يمكن وصفها بالتقليدية». ووصف عبد العزيز قدرات مرسي التواصلية في خطابه بأنها «اتسمت بالطابع الريفي، بما يكشف عدم خضوعه لأي تدريب من أي مستوى، بما أفقده الظهور بشكل كامل النضج سياسياً، فضلاً عن كشف الخطاب أن الطريقة التي يتعاطى بها مرسي مع الاتصال تهيمن عليها نزعات تقليدية».
وعن المحتوى الذي قدمه مرسي في خطابه، أشار عبد العزيز إلى أنه «ينطوي على درجة كبيرة من الصدق والتلقائية، لكنه في الوقت ذاته لا يعكس إدراكاً واضحاً لطبيعة الجمهور المستهدف وتنوعه الثقافي والسياسي».
ومن خلال تحليل الأطر المرجعية لخطاب مرسي، رأى عبد العزيز، أن المجال الثقافي الإسلامي التقليدي هو ما مثّل المرجعية الأساسية لخطاب مرسي السياسي، مؤكداً أن الرئيس الجديد يحتاج إلى «تدريب مكثف على تشخيص الجمهور وبناء رسالة اتصالية تتسق مع مرسل يمثل الدولة المصرية ويحتل أعلى موقع فيها، بما لا يجعله أسيراً لنمط خطابي أحادي وتقليدي».
أما الصحافي وائل جمال، فوصف الخطاب بأنه بروتوكولي وطبيعي في هذا التوقيت، لأنه يحمل درجة من الطمأنة لمؤسسات الدولة الأمنية. ولفت إلى أن محتوى الخطاب لا يترك مجالاً واسعاً لتطبيق منهجيات تحليل المضمون عليه، لعدم اشتماله على خطوات متعلقة بالحكومة أو الإجراءات التي يسعى إلى تطبيقها في المرحلة المقبلة.
وعن الإشارات الاقتصادية الواردة في الخطاب، يرى جمال أنها تركزت في نقطة واحدة هي «النهضة والعدالة الاجتماعية». والأخيرة موجودة في كل خطابات السياسيين المصريين، لافتاً إلى أن القطاعات التي تحدث عنها مرسي في خطابه، مثل الحرفيين وسائقي التوك توك والعمال، تجعل من الواجب عليه إدخال تعديل كبير في البرنامج الاقتصادي الذي ترشح به، لإحداث حالة من التوافق الاجتماعي. ونبّه جمال إلى أن برنامج مرسي ليس فيه تغيير جوهري عن سياسات النظام السابق في الاقتصاد، مشدداً على أهمية إعطاء الأولوية لتعديل النظام الضريبي وفرض الضرائب التصاعدية.
أما رئيس مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية، مصطفى اللباد، فرأى أن خطاب مرسي كان «متوازناً أفضل من المتوقع، وإن غابت عنه كلمة أساسية هي المواطنة في مقابل إفراطه في استخدام الآيات القرآنية». وأوضح أنه «غلب على الخطاب الطبيعة التصالحية»، لافتاً إلى أن هذه الطبيعة نابعة من أنّ الذي انتخب مرسي أكثر من نصفهم خارج كتلة الإخوان، ومن ثم فعليه «دين لهم». لكن اللباد عاب على مرسي استخدام مفردات مقتبسة من المجتمعات الصحراوية «كأهلي وعشيرتي»، وشدد على ضرورة منحه فرصة لبيان مواقفه في الأمور الحيوية، كتطبيق وعوده بتشكيل حكومة ائتلافية موسعة وتعيين نواب له من خارج الإخوان وحزب الحرية والعدالة.
من جهته، رأى رئيس مركز حوار الثقافات والدراسات الحضارية في جامعة القاهرة، محمد صفار، أنه «توجد رغبة لدى مرسي في إرساء قواعد بين الحاكم والمحكوم بعد ثورة أطاحت جزءاً من نظام عسكري». ورأى أن «مرسي أراد في خطابه إرسال تطمينات للعالم الخارجي بأنه لن يعرض التزامات مصر الدولية للخطر». وأوضح أن خطاب مرسي جاء معبراً عن اللحظة التاريخية الدقيقة التي لسان الحال لمرسي يقول فيها: «نرغب من العالم الخارجي أن يؤيدنا وفي الوقت نفسه لا نريده أن يتدخل في شؤوننا الداخلية». لكنه لفت إلى أن حديث مرسي عن المصالحة الوطنية، بالتجاور إلى الحديث عن القانون وحق الشهداء واستمرار الثورة، أعاد إلى المصطلح اعتباره بعدما استخدمه مؤيدو المجلس العسكري والنظام السابق كباب خلفي لعودة الفاسدين.
وأوضح صفار أن قيام مرسي في خطابه ببناء خريطتين للمجتمع، إحداهما جغرافية والأخرى مهنية وطبقية، كان غرضه اعادة التلاحم الاجتماعي بين مكونات المجتمع على المستوى الجغرافي والطبقي. كذلك، لفت صفار إلى أن العقلية غير التصادمية هي التي سيطرت على الخطاب، ولا سيما في حديثه عن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية فيها والقضاء، ما يكشف أن مرسي يرغب في إصلاح أجهزة الدولة، لا هدمها، بما يتوافق مع مزاج القطاع العريض للشعب المصري، ولا سيما أن مرسي يخشى من تهديد انقلاب هذه الأجهزة عليه وعلى الثورة.
وفي خضم انشغال المصريين في قراءة خطاب مرسي لاستبيان آفاق المرحلة المقبلة، ساد أمس لغط حول مقابلة قالت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية إنها أجرتها مع مرسي. ونقلت وكالة «أنباء الشرق الاوسط»، نفي مصدر إعلامي برئاسة الجمهورية، «أن يكون الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي قد أجرى أي مقابلات صحافية مع وكالة الأنباء الإيرانية (فارس)».
ووفقاً للمصدر، إن كل ما نشرته الوكالة الإيرانية «ليس له أي أساس من الصحة». إلا أن مصادر من داخل الجماعة أكدت لـ«الأخبار» حصول الحوار قبل إجراء جولة الإعادة وقبل 10 أيام من فوزه.
وكانت الوكالة قد نسبت إلى مرسي قوله إنه «سيسعى إلى إعادة العلاقات الطبيعية مع إيران وفق المصالح المشتركة، لإحداث توازن في المنطقة». ووفقاً للوكالة، أشار مرسي إلى «أن المؤسسات المصرية ستراجع كافة الاتفاقات مع إسرائيل لتتناسب مع مصلحة مصر».