بيت لحم | لأنّها روسيا التي دعمت دائماً القضية الفلسطينية، ولأنّه الرئيس فلاديمير بوتين، ولأنّها زيارة تاريخية بالنسبة إلى الفلسطينيين، طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس من ضيفه الكثير: من مؤتمر دولي للسلام خاص بالشرق الأوسط، إلى التدخل لإطلاق سراح الأسرى، وصولاً إلى المصالحة الداخلية في فلسطين بين حركتي «فتح» و«حماس». هكذا يقدّر الفلسطينيون ضيفهم الروسي، ودور بلاده في العالم.

وفي المؤتمر الصحافي المقتضب الذي جمع الرئيسين في مدينة بيت لحم، أكّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس على ضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو، قائلاً «إن «الطريق الوحيدة للسلام هي المفاوضات، ومن الضروري عقد مؤتمر سلام في موسكو».
عباس، الذي بدأ حديثه بتقديم جزيل شكره وتقديره «لدعم ومساندة جمهورية روسيا الاتحادية لشعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، ووقوفها إلى جانب شعبنا في جميع محطات نضاله»، قال بخصوص الاجتماع مع بوتين «تناولنا جملة من القضايا التي تهم البلدين، وفي مقدّمتها تطوير العلاقات، والنشاطات الاستيطانية التي تشكل عقبة رئيسية أمام عملية السلام، كذلك طلبنا مساعدة روسيا في إطلاق سراح الأسرى، وخصوصاً الذين اعتقلوا قبل عام 1994، وتم الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على إطلاقهم ولم يفرج عنهم بعد». وأضاف «كذلك تناولنا الأوضاع العربية في كثير من الدول التي تواجه ما يسمى الربيع العربي، لأننا نعرف أن هذا الوضع يهم روسيا كما يهمنا تماما».
بدوره، أكد بوتين أن «الاجتماع مع الرئيس عباس كان بنّاءً، وتناول الحوار الفلسطيني الإسرائيلي، والشرق الأوسط، ومشاريع الدعم والتعاون في مختلف الميادين». وأضاف «بالنسبة لنا لا مشكلة لدينا في الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، حيث قمنا بذلك منذ 25 عاما، ولن نغير موقفنا». وشكر بوتين مضيفه الفلسطيني على دعمه المستمر للتواجد الروسي في الأرض المقدسة، وعلى دعمه الفعال في تنفيذ المشاريع بهذا الصدد، وقال «أنا على يقين أن عمل المركز الروسي العلمي الثقافي في بيت لحم، سيوسع التعاون في شتى المجالات». وتابع بالقول إن «مواقفنا من أهم القضايا الإقليمية والدولية متقاربة، تحدثنا عن التغلب على مأزق العملية التفاوضية، وأشير هنا إلى المواقف المسؤولة التي تتخذها قيادة السلطة الفلسطينية والرئيس شخصياً الساعية لتوصل لحل سلمي بناء على أساس حل الدولتين، وأنا على يقين أن كل الأعمال أحادية الجانب تؤدي إلى حل غير بناء». وختم بوتين حديثه «إننا نقدر استعداد فلسطين والرئيس عباس لتطوير العلاقات الاخوية مع روسيا الاتحادية، وسنبذل قصارى جهدنا بغية زيادة التعاون البناء بيننا».
وكان الرئيس الروسي قد وصل الى مدينة بيت لحم صباحاً قادماً من القدس المحتلة في زيارة وُصفت بأنها تاريخية للأراضي الفلسطينية. وفور وصوله توجه إلى كنيسة المهد وسط حراسة أمنية مشدّدة، حيث كان الأمين العام للرئاسة الطيب عبد الرحيم في استقباله، وقام بجولة داخل الكنيسة مستمعاً لشرح عنها، وأضاء الشموع في «مغارة الميلاد» قبل مغادرته.
بعدها انتقل بوتين إلى قصر الرئيس في بيت لحم، حيث كان في استقباله الرئيس محمود عباس وكبار المسؤولين. وافتتح الرئيسان بعد ذلك المركز الروسي العلمي الثقافي في بيت لحم، كما أزاحا الستار عن «دوار بوتين» والطريق المُحاذية لمحكمة بيت لحم، التي سُميت باسم الرئيس الروسي، تخليداً للزيارة التاريخية والهامة التي يجريها الرئيس الروسي للمدينة خصوصاً، والأراضي الفلسطينية.
كذلك وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة روسيا الاتحادية، بحضور الرئيسين الفلسطيني والروسي اتفاقية لتنظيم الوضع القانوني للمتحف الروسي في مدينة أريحا. هذا المتحف الذي تم إنشاؤه بتمويل روسي في أريحا، وافتتحه الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، والرئيس عباس. كما تم التوقيع على اتفاقيات اقتصادية سيتم تنفيذها في المستقبل القريب بين البلدين، بحسب ما أعلن السفير الفلسطيني في روسيا فايد مصطفى، الذي تحدث عن الزيارة، قائلاً إنها «حظيت باهتمام رسمي كبير حيث قلد الرئيس الفلسطيني نظيره الروسي أعلى وسام فلسطيني، كما أطلق اسم بوتين على أحد شوارع مدينة بيت لحم الرئيسية». وأكد أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تقيمان «علاقات متميزة وتاريخية مع روسيا حيث وقفت روسيا على الدوام مع المواقف الفلسطينية وخصوصاً الاعتراف بدولة فلسطين، وفي مجلس الأمن الدولي واللجنة الرباعية تقف روسيا الى جانب الشعب الفلسطيني وحقوقه». ورافق بوتين في زيارته التاريخية لفلسطين 400 شخص من السياسيين ورجال الأعمال والإعلاميين الروس.
وبعد انتهاء زيارته الضفة الغربية، غادر الرئيس الروسي عبر مدينة أريحا إلى العاصمة الأردنية عمان، دون أن يستقل مروحية، كما جرى خلال زيارات لرؤساء دول كبرى مثل الولايات المتحدة، وإنما عبر معبر الكرامة أو «جسر الملك حسين» برّاً إلى العاصمة الأردنية. وفور وصوله التقى الملك الأردني عبد الله على شاطئ البحر الميت وبحث معه «التطورات في الشرق الأوسط»، على ما أفاد مسؤولون أردنيون.
ويقوم الرئيس الروسي خلال الزيارة برعاية الافتتاح الرسمي لبيت الحجاج الروس في موقع عماد السيد المسيح بمنطقة المغطس على نهر الأردن التي تبعد نحو 50 كيلومتراً غرب عمان. والأردن هي المحطة الأخيرة من جولة الرئيس الروسي التي شملت الأراضي الفلسطينية المحتلة وأراضي السلطة الفلسطينية، وبحث خلال جولته ملفات المنطقة، وفي مقدّمتها ملفا سوريا وإيران، وخصوصاً في ظل الدور الهام والمؤثر التي تلعبه موسكو في الأزمة السورية.