تونس | تبدلت الخريطة السياسية التونسية تبدّلاً جوهرياً على مستوى القوى والأحزاب منذ انتخابات المجلس التأسيسي، والتي شهدت إبرام تحالف براغماتي بين 3 أحزاب سياسية مختلفة الإيديولوجيا («التكتل» اشتراكي الإيديولوجية، «المؤتمر» ذي التوجهات القومية واليسارية، وحركة «النهضة» الإسلامية والقائمة على أساس ديني)، والتي كوّنت في ما بعد «ترويكا السلطة»، ولتبدأ معها سلسلة من التحالفات الأخرى.


وهكذا بدأت تلوح في تونس حياة جديدة تتخلص شيئاً فشيئاً من التشرذم السياسي، وتتكوّن «أهرامات سياسية جديدة» بتوجهات مختلفة، قد تفتح الباب أمام ولادة ديموقراطية أصيلة وبطابع عربي. أهرامات توزعت من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، فيما برزت القوى الوسطية كرقم غالب على مجموعة التحالفات والتي تعرّف نفسها بـ«الوسطية».
وبالنسبة إلى الأحزاب المكوّنة لـ«ترويكا السلطة»، فقد وجدت نفسها على طريق خوض أي استحقاق انتخابي مقبل في التحالف نفسه، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية التونسي رفيق عبد السلام أكثر من مرة، آخرها كان في إطار ندوة لـ«مركز الجزيرة للبحوث والدراسات» في الدوحة، حين أكد أن هذا التحالف سيتواصل في محطات سياسية أخرى في تونس.
ولعلّ هذا الهرم، الذي يتكون من قاعدة نهضوية وضلعين من «التكتل» و«المؤتمر من أجل الجمهوري»، سيعتمد على الثقة التي تمنحها القاعدة الشعبية للنهضة كي يواصل التحالف، فيما يبدو أن ضلعي الهرم الآخرين سيجدان نفسيهما مجبرين على المتابعة في خط «النهضة»، ولا سيما أنهما شهدا تراجعاً في شعبيتها، إضافة الى بروز عدة انشقاقات أثرت على مستوى تمثيلهما في المجلس التأسيسي.
إن هذا الأداء جعل حركة «النهضة» تتجه نحو البحث عن بدائل أخرى في محاولة للحفاظ على القواعد الانتخابية نفسها، واستخدمت من أجل ذلك عامل الدين مع ولادة حزبين سلفيين، إضافة إلى احتمال انضمام أحزاب صغيرة أخرى ذات توجهات فكرية دينية للانخراط مع الحركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل.
هذا الهرم، الذي سمح للنهضة بالتغول السياسي، دفع الكثيرين إلى الخشية من سيناريوهات «ديكتاتورية دينية»، وهو ما حفّز على التفكير في إحداث توازنات جديدة على «الثقل الانتخابي» في تونس، عبر طرح مبادرات جديدة تهدف الى «تحجيم حركة النهضة» ووضع حدود لتغولها السياسي؛ فدخلت الأحزاب في تحالف جديد للمشاركة في اللعبة السياسية، على أسس من الندية، وكذلك من أجل القيام بدور معارض حقيقي يخرج من نطاق الأداء الهزيل الذي قدّمته في مناكفة السلطة الجديدة، إلى مستوى ترتقي به إلى تطلعات قواعدها الانتخابية. وكان هذا أساس تكوين «الحزب الجمهوري» التونسي الذي يضع نفسه ضمن أحزاب وسط اليسار، والذي جمع تسعة أحزاب تونسية، أبرزها الديموقراطي التقدمي وآفاق تونس والجمهوري والإرادة والكرامة وحركة بلادي وحزب الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، إضافة الى عدد من الشخصيات السياسية المستقلة.
بدورها، ارتأت الأحزاب ذات التوجهات اليسارية الاشتراكية التوحد ضمن «حركة المسار الديموقراطي الاجتماعي»، والذي كان أول أشكال التحالف الإيديولوجي الذي جمع حركات سياسية يسارية، وهو جمع كلاً من حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقاً) وحزب العمل التونسي وشخصيات يسارية مستقلة عملت ضمن القطب الديموقراطي الحداثي، الذي كان قد تشكل قبل انتخابات المجلس التأسيسي، فيما أعلن أنه منفتح على أية مبادرة للتحالف أو الاندماح مع أي حركة «من العائلة السياسية الواحدة». وتدور مشاورات مع الحزب الجمهوري لتكوين جبهة سياسية واسعة.
هذه الأحزاب الجديدة والمتشكلة على أساس حزبي تبقى متشرذمة، وخصوصاً أن معادلات إطلاق هذه المبادرات جاءت على أساس محاصصة للمناصب العليا في هذه الأحزاب الجديدة. وقد عبرت عن ذلك بقوة الاستقالات المبكرة التي عرفتها هذه الحركات منذ بداية مسار التوحيد وخروج البعض من قياداتها والاتجاه نحو تأسيس حركات جديدة.
وفي خضم هذه المحاولات الهامة لدفع الحياة السياسية نحو التزحزح من مستوى الهيمنة النهضوية، ظهر رقم جديد على الساحة التونسية، حمل طابع «البورقيبية»، والذي تمثل بـ«الدساترة» تحت قيادة «الشيخ»، رئيس الحكومة الانتقالية الأولى، الباجي قائد السبسي (86 عاماً)، الذي أعلن أخيراً تأسيس حزب «نداء تونس» ليكون الهرم الجديد الذي سيحدث التوازن ضد «تغول» هرم النهضة ويحقق التوازن المنشود.
وقد أثارت مبادرة «نداء تونس» انقساماً حاداً منذ أن تم الإعلان عنها في نيسان الماضي في مدينة المنستير، مسقط رأس الرئيس السابق الحبيب بورقيبة. وقال مؤيدون لها إنها أُطلقت في وقتها، على اعتبار أن باجي قائد السبسي شخصية أثبتت كفاءتها في قيادة تونس في فترة انتقالية أولى اتسمت بشدّة التوتر. ويعتبرون أن الباجي قائد السبسي شخص قادر على جمع القوى السياسية المفرقة والضعيفة، ليشكل جبهة قادرة على مواجهة «النهضة» والتيار الإسلامي التونسي. في المقابل، يأخذ معارضوها عليها كبر سن السبسي، إضافة الى كونها تتيح للتجمعيين (أنصار الحزب الحاكم سابقاً) العودة من ثقب «نداء تونس». وبعيداً عن هذه المآخذ، فإن السبسي بدأ بانتهاج تكتيك سياسي جديد سماه «المعاضدة» للحكومة الحالية وليس المعارضة السلبية.
وبين هذا الهرم وذاك، بدأت حركات يسارية راديكالية ذات التوجهات الماركسية واللينينية والماوية في الذهاب نحو «منتجع التوحيد» والتفكير في القيام بتكتل جديد في إطار ما سمّي «القوى التقدمية والقومية»، والتي قال قياديوها إنهم في صدد التفكير في إقامة «تحالف» كبير على أساس تحالف «ثورة 14 جانفي»، والذي يقولون إنه تحالف جاء لحماية مسار الثورة.

الحكومة تحتوي غضب المرزوقي!



تتجه أزمة «الترويكا» التونسية، التي أججها تسليم البغدادي المحمودي للسلطات الليبية إلى الحل، بعد مجاراة الحكومة الرئيس منصف المرزوقي في رغبته بإقالة محافظ البنك المركزي مصطفى كمال النابلي

يبدو أن «الترويكا» التونسية وجدت في السماح بإقالة محافظ البنك المركزي مصطفى كمال النابلي، «كبش الفداء» المطلوب لإرضاء رئيس الجمهورية، المنصف المرزوقي، بعد الأزمة التي تفجرت عقب تسليم الحكومة التونسية للسلطات الليبية، البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء نظام معمر القذافي، دون استشارة الرئيس.
وذكرت دائرة الإعلام والتواصل التابعة للرئاسة التونسية، في بيان نشرته أمس، أنه «بالتوافق مع رئيس الحكومة (محمود الجبالي)، أصدر رئيس الجمهورية منصف المرزوقي قراراً جمهورياً يقضي بإنهاء مهام مصطفى كمال النابلي، محافظ البنك المركزي التونسي». إلّا أن الناطق الرسمي باسم الرئاسة التونسية، عدنان منصر، نفى في تصريح إذاعي، أن يكون قرار المرزوقي رداً على قيام اﻟﺤكومة اﻷﺣد اﻟﻤﺎﺿﻲ ﺑﺘﺴﻠيم اﻟﺒﻐدادي اﻟﻤﺤﻤودي. وكانت قضية النابلي أثيرت، الشهر الماضي، بعدما أعطى مؤشرات تشير إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، في وقت تقول فيه حكومة المثلث الحكومي أن الاقتصاد يتماثل للنمو، وهو ما لا توجد له مؤشرات حقيقية في البلاد. حينها، صرح الرئيس المرزوقي بأنه قرر إقالة محافظ البنك المركزي، لكن الأخير رفض التنحي، وتحدى «سجين قرطاج»، قائلاً إن «الرئيس المؤقت لا يملك صلاحية إقالتي»؟
وجاءت إقالة محافظ البنك المركزي غداة مطالبة 76 نائباً من نواب المجلس الوطني التأسيسي، سحب الثقة من حكومة حمادي الجبالي، إثر قراره ترحيل المحمودي. ورغم النجاح في تأمين أكثر من ثلث نواب المجلس التأسيسي، وهو النصاب القانوني المحدد لمطالبة المجلس بسحب الثقة من الحكومة واصدار لائحة لوم، فإنه من غير المتوقع أن تفضي الجلسة العامة «الاستثنائية» للمجلس الوطني التأسيسي، التي أعلن رئيس المجلس مصطفى بن جعفر عقدها غداً لمساءلة الجبالي، إلى إسقاط الحكومة الحالية.
ووفقاً للقانون، يجب أن تتوفر نسبة 51 في المئة من الأصوات المؤيدة لاسقاط الحكومة داخل المجلس، وهو ما يعتبر صعباً للغاية تحققه.
وكانت لائحة اللوم، التي تمهد لطلب اسقاط الحكومة، قد صدرت بعد مقاطعة سبع كتل، بينها الكتلة الديموقراطية، وكتلة العريضة الشعبية، وكتلة الوفاء للثورة، وكتلة جبهة 14 جانفي، جلسة المجلس التـأسيسي أول من أمس. والمقاطعة التي جاءت بعد رفض بن جعفر إدراج تسليم البغدادي المحمودي في صلب الجلسة، أعقبها صدور بيان للكتل النيابية المعارضة أكدت فيه أن «لائحة اللوم» جاءت «رفضاً لتهميش الدور الأصلي للمجلس في الاشراف على إدارة شؤون البلاد».
نزار...