الخرطوم | كُنّ يُمنين النفس بأن يخرجن بوعد قاطع من الرئيس السوداني، عمر البشير، بتحديد حجم الزيادة في الرواتب الشهرية. وبدا أن توقهن إلى سماع هذه البشرى هو الدافع الرئيسي وراء تقاطرهن بصورة كبيرة لحضور مؤتمر المرأة الثالث، لكنّ آمانيّهن ضاعت هباءً منثوراً، بعدما اكتفى البشير بداية الأسبوع الماضي، بتأكيده أن أي زيادة في الأسعار ستصاحبها زيادة في الرواتب، من دون أن يخوض في تفصيل هذه الزيادة، وإن كانت ستغطي حجم المصروفات أو لا.

خارج تلك القاعة، وقف سائق سيارة للأجرة، مبدياً استغرابه من ذلك الحشد النسوي. وفي نبرة حادة، قال: «عندما يذهبن إلى بيوتهن سيعرفن جيداً ماذا فعلت بهن سياسات من يصفقن له الآن»، مضيفاً: «سيصدمن بواقع عجزهن عن توفير لقمة العيش لأبنائهن». وصبّ غضبه على الحكومة التي رفعت الدعم عن المحروقات قائلاً: «ماذا تريد أن تفعل بنا أكثر مما فعلت».
لكن لا يبدو أن الغضب يجد آذاناً صاغية لدى السلطات. فلم تأبه وزارة المالية لموجات الاحتجاج، التي اندلعت ضد سياسات التقشف، وأكدت أن الزيادات في أسعار الوقود لن تكون الأخيرة، وأنه متى ما ارتفعت أسعار النفط عالمياً، فإن الحكومة ستعمل على زيادة أسعار الوقود، وهو ما عدّته المعارضة استفزازاً واضحاً للمواطنين.
ويجمع الخبراء الاقتصاديون على أن ما وصلت إليه البلاد من أوضاع اقتصادية متردية، جاء نتيجة تراكم لأخطاء الحكومة. ولم يكن انفصال الجنوب سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، بعدما فشلت الحكومة في وضع دراسة واضحة ودقيقة لمآلات ما هي مقبلة عليه. فالحكومة لم تتحسب لانفصال الجنوب، وما يمكن أن يترتب عليه من تدهور اقتصادي، بل عمدت إلى طمأنة المواطنين إلى أن الحال بعد ذهاب الجنوب ستكون أفضل، وسيتخلص الشمال من أعباء الجنوبيين، غير أن الأيام أثبتت عكس ذلك.
ويسود اعتقاد واسع وسط المواطنين والمختصين، على حد سواء، بأن الفساد الإداري والصرف البذخي في مؤسسات الدولة، كان له نصيب الأسد في تدهور الوضع الاقتصادي، ووصوله إلى هذه المرحلة التي استدعت لجوء الحكومة إلى إقرار سياسات تقشفية. وبدأت هذه السياسات بعد أسابيع فقط من انفصال الجنوب، وتضمنت فرض إجراءات صارمة للحد من الاستيراد الخارجي، حفاظاً على الاحتياط الأجنبي في البلاد، فمنعت استيراد السلع الكمالية، كالأثاث والسيارات المستخدمة، بالإضافة إلى تحرير سعر بعض السلع الاستهلاكية اليومية كالسكر والدقيق. وأقرت إجراءات تقشفية في الإدارات. وألغت فاتورة الهواتف للمسؤولين، فيما أعلنت وزارة المال تخصيص سيارة واحدة لكل مسؤول، بحيث تسحب السيارة المخصصة للزوجة والأبناء. لكن هذه الإجراءات لم تنجح في إحداث خرق ووقف التدهور الاقتصادي. فكان لا بد من إجراءات أكثر صرامة، تمثلت أخيراً في رفع الدعم عن المحروقات، وبالتالي أرتفاع أسعار معظم السلع الحيوية. وأقرت الحكومة كذلك، خفض أعداد المستشارين والوزراء في الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، لتوفير قدر من الأموال التي يمكن أن تسد العجز الكبير في ميزانية الدولة.
ويذهب معارضون إلى القول إن الأزمة الماثلة الآن هي أزمة سياسية في المقام الأول وليست أزمة اقتصادية فقط، وإن ما تعيشه البلاد من تدهور اقتصادي هو نتاج طبيعي لسياسات نظام «الإنقاذ» المتراكمة منذ قدومه إلى الحكم. لذا تسعى المعارضة إلى تفعيل الحراك السياسي لتصحيح مسار الاقتصاد. ورأى قيادي بارز في قوى المعارضة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن العبء المعيشي بالنسبة إلى المواطن أصبح لا يطاق، ووصل إلى كل الخدمات الضرورية من تعليم وصحة وغيرها. وأشار إلى أن إصرار الحكومة على المضي في تنفيذ سياستها من دون اكتراث بحالة المواطنين، يؤكّد عدم تخليها عن سياستها القديمة في عدم الاهتمام بالجوانب الاجتماعية للمواطنين، وعدم وقوفها إلى جانبهم.
من جهتها، طالبت جماعة الإخوان المسلمين الحكومة بالتراجع الفوري عن تطبيق قراراتها الأخيرة التي رفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وقدّمت الجماعة اقتراحاً لعقد مؤتمر اقتصادي، يشارك فيه أصحاب الاختصاص، من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، يجري فيه تدارس الوضع الاقتصادي والخروج بتوصيات تمثّل برنامجاً ملزماً للحكومة للخروج من أزمتها، على أن يجري ذلك خلال شهر واحد من الآن.
ويذهب مراقبون إلى وضع مقارنة بين الوضع الاقتصادي الذي وجدت فيه حكومة «الإنقاذ» البلاد عند مجيئها في حزيران 1989، والوضع الحالي الذي وصلت إليه البلاد بعد مضي ثلاثة وعشرين عاماً من حكم «الإنقاذ». ويبدو وضع مثل هذه المقارنة من الإنصاف بمكان، وخصوصاً أن قادة «الإنقاذ» لم يملّوا من ترديد أن مبررهم لتسلّم السلطة وانقلابهم على نظام ديموقراطي منتخب، هو إنقاذ البلاد من الوضع الاقتصادي المتردي، وأنه لولا مجيئهم، «لوصل سعر الدولار إلى 13 جنيهاً». لكن سعر الدولار وصل بعد عقدين من حكم الإنقاذ، إلى أكثر من خمسة جنيهات، فضلاً عن ضياع مساحة مقدرة من الأرض بذهاب الجنوب، وفقدان أكثر من 75 في المئة من نفط البلاد.
وبينما تصر الحكومة على تبرير الأزمة الاقتصادية وربطها بالأزمة العالمية؛ رفض سياسيون تحميل الفشل الحكومي للمواطنين. وقال وكيل وزارة المالية السابق، الدكتور الشيخ المك، إن الخفض الدستوري لم يُنفَّذ، ولم نر منه شيئاً حتى الآن. وأشار إلى أنه في حال تطبيقه كاملاً، يمكن أن يُسهم في سد الفجوة في الإيرادات، إلى جانب رفع الدعم عن المحروقات ورفع سعر الدولار الجمركي.