حمص | أعاد أهل حمص ترتيب حياتهم بعد العمليات العسكرية والأمنية واسعة النطاق التي شنّها النظام للقضاء على من يسميهم «العصابات المسلحة». البعض عاد إلى مدينته، فيما فضل البعض الآخر البقاء في دمشق وريفها. تتركّز غالبية السكان في أحياء الوعر وغيرها ممن لم يشملها القصف بشكل واسع. أما أحياء بابا عمرو، الإنشاءات، الخالدية، جورة الشياح وباب دريب، فباتت هدفاً ذهبياً لشركات الإعمار بعدما حرثت الصواريخ شوارعها وأصبحت أبنيتها مستوية مع الأرض وهجرها سكانها.


في المقابل، تعيش أحياء أخرى كالزهراء والنزهة حياة أكثر هدوءاً وتنظيماً، لكنها مطوقة بتعزيزات أمنية كثيفة بحيث يصبح الدخول والخروج متوقفاً على المرور بالحواجز، التي تطلب البطاقات الشخصية، ومعلومات حول وجهة القدوم وسببه. وفي المحصلة قد تعبر إلى المنطقة التي تتجه اليها وقد تعتقل أو تعود من حيث أتيت. وإذا كانت الحواجز على مداخل هذه الأحياء، فهذا يعني أنها تعود الى الجيش النظامي. اما اذا كانت في أحياء تسيطر عليها المعارضة، فيقف عليها مسلحون ينتمون إلى «الجيش الحر». واللافت أن بعض المناطق مما بات يسيطر عليها الجيش الحر قد تم إخلاؤها بطلب من المسلحين، بعدما اصبحت مقارهم الجديدة، ومسألة الدخول والخروج منها وإليها بحاجة لتدقيق كبير من قبلهم.
وفي مطلق الأحوال تغرق حمص كغيرها من المدن السورية في أزمة اقتصادية أصابت الموالي والمعارض على حد سواء. الخبز بات أمراً مستعصياً، وعلى من يطلبه أن يتنقل بين عدّة أحياء ترافقه فوهات البنادق والمسلحين من الطرفين ليصل إلى بضع أرغفة. وينسحب الأمر على بقية متطلبات الحياة اليومية. الغاز أصبح نسياً منسياً. في بعض المناطق، اعتاد السكان استخدام الحطب أو الفحم بديلاً من الاسطوانات الزرقاء النادرة. وهناك بدائل أخرى كثيرة ابتدعها الحماصنة. هؤلاء الذين لا يمكن تصنيفهم إلا في خانة شعب يحب الحياة، لكن الحياة قررت أن تختبرهم بلعبة الجنون.
بالطبع لن يتمكن أبناء حمص من التجول في الشوارع كما اعتادوا حتى ساعات متأخرة من الليل. ولن يتمكن اهل المدينة من السهر في نهاية الأسبوع في قرى الريف أو الاحتفال بأعياد الصيف مع المغتربين، الذين قرروا الاحتفاظ بصور العام قبل الماضي عن المحافظة والانتظار حتى تنتهي عاصفة الأزمة. أما عن أحوال المستشفيات، فحدث ولا حرج. لقد أُصيبت بمختلف قطاعاتها الحكومية والخاصة والميدانية بنقص المواد والأطباء، الذين هم إما مختطفون أو مغيبون، وربما تكون أرواحهم قد غادرت الأرض إلى السماء بسبب الرصاص مجهول المصدر، والذي كان سبباً هو الآخر لحصد أرواح مدنيين متظاهرين أو مسلّحين، حين يخرجون لتشييع الأصدقاء، فيسقط بعضهم بهذا الرصاص. وتتكرر الدورة بين حياة وموت. وبعدما كانت تقتصر هذه الدورة على يوم الجمعة في بداية الثورة ها هي تشمل كل ساعة ليلاً أو نهاراً. هذه هي حمص الجديدة.
إلى أين؟ هو السؤال الذي يتكرّر على ألسنة رجال حمص وأطفالها وسيداتها، الموالين منهم أو المعارضين. التركيز في صورة المشهد الحمصي سيزيح أصوات الرصاص جانباً أمام لوحة تجمع الحقد والكره مع حب الحياة. في حمص ستجد طفلاً يرسم صور المجازر، ويتحدث الصغار قبل الكبار عن هول ما جرى ويجري، قبل أن يمضوا في سبيلهم ليلعبوا ألعاب القنص والاشتباك والتظاهر؛ فهذا ما علمتهم إياه حمص منذ سنة ونصف السنة.
أحاديث الكبار لا تقل مأساوية عن حقيقة ما يعيشون يومياً. الطائفية تسرّبت الى صلب حياتهم وبات تقسيم الناس على أساس المذهب: سنّي أو علوي، بعدما كان موالياً أو معارضاً. ولا تغيب هتافات الدعوة إلى القتل مع كل تظاهرة يخرجون بها. ولكن هل يبرر ما قاساه أهل العاصي طوال الفترة الماضية كمية الحقد الطائفي والعنف الذي يسري في دماء الكثيرين؟ وهل يبرر جنون الرصاص وفقدان الأهالي لبيوتهم وأبنائهم وصول حمص إلى حافة الهاوية؟ هو السؤال الذي يجيب عنه سكان المدينة ما أن تسألهم عما يحدث. ستختلف التسميات بين مؤامرة وفتنة وعصابات مسلحة وأزمة وثورة ومعركة تحرير لكن المضمون واحد.
يمكنك سؤال من تشاء في حمص بدءاً بسائق سيارة الأجرة، الذي سيختار طرقاً لا تتوقف بها على حواجز النظام أو حواجز الجيش الحر، وصولاً للطبيب والجامعي والناشط والأم والطفل والمسلح. سيجيب الجميع جواباً واحداً: لسنا محبي قتل، لكن ما مررنا به أوصلنا الى هنا، فأصبح الخطف عملية يومية، والقنص حكاية عادية، وحُرم ابن باب السباع من المرور بحي عكرمة. ويبرر البعض أكثر من ذلك بقوله إن أقوى دعاة العمل السلمي سيتحول نحو المسلح مع رؤية مشاهد الموت اليومية في شوارع المدينة. من كان يتخيل أن تصل حمص الى هذه المرحلة؟ لا أحد يقبل بالتسامح ولا المصالحة، ويقسم الكثير من الجرحى بالانتقام وملاحقة من قتلهم وليسقط القضاء والمحاكمة وليحي الثأر والاقتتال وإبادة الطوائف.
لكن في النهاية ما السبيل إلى الخلاص؟ تتباين آراء الناس هناك بين من يصرّ على التدخل العسكري ومن يدعم فكرة الجيش الحر وقدرته على تحرير البلاد ومن يدعو إلى الحوار، وهؤلاء قلة، ولسان حال الجميع: ليتوقف القتل، فالدم لن يجرّ سوى مزيد من الدماء، ولكن أما آن لشلال الدم أن يتوقف؟ الغريب أن هذا السؤال يطرحه حملة السلاح قبل المسالمين، لكنهم يرفقونه بأمر آخر وهو أن يسقط النظام. هكذا يعيش أهل حمص. يدركون حجم المأساة التي يعيشونها مع كل طلعة شمس، فيبحثون عن فجوة ليتنفسوا من خلالها، واذا بهم يضحكون على مأساتهم ويبتدعون المواقف الساخرة حتى المرارة، على اعتبار أنها دواؤهم الناجع لتخفيف هستيريا الموت اليومية. سيبتسمون ويدفعونك نحو الابتسام حتى في أحلك الظروف ويهتفون من صميم قلبهم: ألا تعرفون من هم الحماصنة؟




حمص بلغة الأرقام

محافظة حمص هي أكبر المحافظات السورية من حيث المساحة (42226 كيلومتراً مربعاً)، والثالثة من حيث عدد السكان (208700 مليون نسمة)، بعد دمشق وحلب. تقع على نهر العاصي في منطقة زراعية خصبة هي سهل الغاب، متوسطة البلاد وواصلة المحافظات والمدن الجنوبية بالمحافظات والمدن الساحليّة والشماليّة والشرقية. تبعد عن العاصمة السورية نحو 162 كيلومتراً شمالي العاصمة، دمشق. حمص غنية بالمواقع الأثرية وتعدّ مركزاً سياحياً هاماً. مدينة متنوعة طائفياً، ويوجد فيها أكبر المجموعات من المسلمين السنّة والعلويين والمسيحيين، الذين يتبعون الى طائفة الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس إلى جانب أقليات أخرى. كذلك هي تحتضن أقليات أرمنية وتركمانية.
عاشت المحافظة محطات مفصلية في الانتفاضة السورية، وبلغ عدد ضحاياها منذ آذار 2011 نحو 5151 قتيلاً. وهناك 1225 من أبنائها معتقلون في السجون السورية. ومنذ آذار 2011، ألحق الدمار بما نسبته 70 في المئة من المدينة.