تواصل "حكومة الوفاق الوطني" برئاسة فائز السراج التقدّم بنجاح في خطتها، التي يبدو أنها رسمتها لنفسها عقب وصولها إلى العاصمة الليبية، طرابلس، قبل نحو أسبوع. وترتكز تلك الخطة على محاولة تقليص النفوذين السياسي والأمني لحكومة خليفة الغويل، (أو ما تبقى منها)، بالتزامن مع مواصلة المبعوث الأممي، مارتن كوبلر، لمساعيه التي تصب في مصلحة "حكومة الوفاق".
وجددت فرنسا وألمانيا، أمس، تأكيد دعمهما لحكومة السراج، وفق ما أعلن الرئيس فرنسوا هولاند في ختام مجلس وزراء فرنسي ــ ألماني في مدينة ميتز (شرق فرنسا). وقال هولاند، وإلى جانبه المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، "جددنا على الصعيد السياسي تأكيد دعمنا الحكومة الليبية". وكشف أنّ وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك إيرولت، أجرى محادثات، أمس، مع السراج "كي نعمل بشكل نستطيع معه تقديم التضامن الذي سيطلبه، وكي نتمكن أيضاً في إطار البعثة الأوروبية من التأكد من التصدي لعمليات التهريب"، في إشارة إلى واحدة من الأولويات الأوروبية في الملف الليبي إلى جانب التخوّف من تمدد تنظيم "داعش" هناك. وقد اعتبر هولاند أن "ليبيا قد تكون في فوضى، فتقدّم إلى مهربي البشر وكل أنواع التهريب الفرصة لوضع شعوب بأكملها في خطر، وبعدها لإيصال عشرات آلاف الأشخاص الى أوروبا، إيطاليا أو مالطا".
وجاء ذلك في وقت كان سيعرض فيه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن كوبلر، على مجلس الأمن الدولي، مساء أمس، نتائج مهمته، مستعرضاً مسار عملية "استقرار حكومة الوفاق" منذ وصولها الى طرابلس، الذي ترافق مع هدوء لافت يعمّ العاصمة الليبية.
وقبيل توجه المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن، كان كوبلر قد زار العاصمة الليبية، قبل يومين، في مشهد ثبت من خلاله حجم الدعم الدولي الذي تلقاه حكومة السراج القائمة أساساً على اتفاق رعته الأمم المتحدة. وكرر من طرابلس دعوته "كل الأطراف إلى التعاون لتسليم السلطة بشكل فوري وسلمي"، مضيفاً أن "الأمم المتحدة مستعدة لتقديم كل الدعم اللازم للوصول الى هذه الخاتمة".

كوبلر لمجلس
الأمن: على حكومة الوفاق البدء في العمل الفعلي

بالتوازي، بات من الواضح أنّ مناوئي السراج في طرابلس وفي غرب ليبيا عامة، أصبحوا أمام تحدّ يتمثل بمدى قدرتهم على الصمود أمام توسع نفوذ "حكومة الوفاق"، بعدما نجحت الأخيرة في ضمان ولاءات محلية، أضيفت إليها خطوة بالغة الأهمية في سياق تثبيت الأقدام، تتمثّل بتسلمها مفاتيح التحكم بالأموال وقطاع النفط، إثر إعلان المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس الولاء لها. ويوم أمس، حققت "حكومة الوفاق" خطوة رمزية إضافية على صعيد تعزيز سلطتها، إذ وضعت يدها على الموقع الإلكتروني لحكومة الغويل.
وقد بدت تداعيات نجاحات السراج وفريقه واضحة في مشهد الارتباك الذي ظهر على حكومة خليفة الغويل، الذي أعلن أنه سيسلّم السلطة قبل يومين، ليعود بعد ساعات من ذلك إلى التراجع عن بيانه، فيما لم تظهر، أمس، أي مؤشرات تجاوب مع طلبه. وأكد موظف في مقر رئاسة الوزراء في طرابلس، الذي كانت تستخدمه حكومة الغويل، أن العمل متوقف في المكان منذ أيام. وقال الموظف: "لم نعمل في مقر رئاسة الوزراء منذ أيام. طُلب منا عدم المجيء، والمقر لم يعد يعمل منذ ذلك الوقت"، مشيراً إلى أن الغويل "لم يأت الى المقر منذ أيام أيضاً، ولا أحد يعلم أين يوجد حالياً".
ويُنظر الى الغويل على أنه أحد أكثر المتشددين في الجناح السياسي لما كان يعرف بتحالف "فجر ليبيا" الذي أدار طرابلس ومعظم مناطق الغرب في الفترة السابقة. وراهناً، بات يعاني من تراجع تأثيره السياسي، وخصوصاً أنّ الأطراف السياسية المحلية في غرب ليبيا تشعر بوقع الدعم الدولي للسراج، وبالتالي فإن مصالحها ستصبح مهددة إذا استمرت بدعمها للغويل. لكن في الوقت نفسه، فإنّ من شأن هذه المعطيات أن تنقلب بشكل أو بآخر، وخصوصاً في ظل عدم وضوح مدى النفوذ الأمني والعسكري الذي باتت تقف عليه حكومة السراج داخل طرابلس.
في غضون ذلك، اختتمت "هيئة صياغة مشروع الدستور الليبي" مشاورات كانت قد بدأت في منتصف الشهر الماضي في مدينة صلالة بجنوب سلطنة عمان لبحث التوافق حول القضايا الخلافية في مسودة الدستور قبل طرحه للتصويت من قبل الأعضاء والاستفتاء الشعبي. وتم خلال المفاوضات الاتفاق على مسودة الدستور الجديد، وسيصوت عليه أعضاء الهيئة يوم الأحد المقبل في مدينة البيضاء شرق ليبيا. وأعربت الأمم المتحدة عن أملها بأن يشكل توافق أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي حول مسودة مشروع الدستور "نقطة تحول في مسيرة ليبيا نحو التنمية والديموقراطية وترسيخ احترام حقوق الإنسان". وعبّر المستشار الدستوري في بعثة الأمم المتحدة، محمد الغنام، في كلمته التي ألقاها نيابة عن مارتن كوبلر، خلال مؤتمر صحافي عقد بسلطنة عمان، عن أمله "في أن يشكل هذا التوافق أساساً ونقطة تحول في مسيرة ليبيا نحو التنمية والديموقراطية وترسيخ مبادئ وآليات الحكم واحترام حقوق الإنسان".
(الأخبار، أ ف ب)