وجّه الرئيس السوري، بشار الأسد، في الجزء الثاني من المقابلة التي أجرتها صحيفة «جمهورييت» التركية معه، انتقادات حادة إلى الحكومة التركية، ورئيسها رجب طيب أردوغان، متهماً إياه بتجاوز العلاقة الأخوية مع سوريا والتورط في الأحداث الدموية من خلال «توفير الدعم اللوجستي للإرهابيين».


ورداً على سؤال عن التدهور الذي طرأ على العلاقات السورية ـــ التركية، قال الأسد: «علينا أولاً أن نحدد من الذي تغير، انظر إلى العلاقة السورية مع باقي الدول. فالعلاقة بيننا وبين العراق وإيران والأردن وغيرها من الدول لم تتغير، ولا تزال العلاقات السورية نفسها»، مضيفاً: «في المقابل، لاحظ تغير العلاقة التركية مع معظم هذه الدول في المنطقة، ليس فقط مع سوريا طبعاً». ومضى يقول: «الذي تغير بالنسبة إلينا من الجانب التركي، هو أن الموضوع في المرحلة الأولى تجاوز العلاقة الأخوية إلى علاقة تدخل مباشر في الشؤون السورية، وهذا الشيء مرفوض تماماً في سوريا. نحن دولة مستقلة تحترم نفسها وسيادتها».
وأضاف الأسد: «هذا إذاً في المرحلة الأولى. لاحقاً بدأت الحكومة التركية تتورط في الأحداث الدموية في سوريا من خلال توفير الدعم اللوجستي للإرهابيين، الذين يقتلون الأبرياء، ومن خلال اتخاذ هذه الحكومة سياسات خطرة على الشعب التركي وعلى الشعب السوري. هذا من الناحية السياسية فقط. وأنا لن أتحدث هنا عن الجوانب والمواصفات الشخصية لهذا الرجل الذي خرج في تصريحاته عن كل الآداب والأخلاق التي يمكن أن يتحلى بها أي سياسي في العالم أو أي إنسان».
وفي ما يتعلق بسؤال عن التصريحات السابقة لأردوغان، التي تحدث فيها عن نصائح وجهها إلى الأسد وأن الأخير قدم وعوداً محددة، قال الرئيس السوري: «أولاً، إن ما تذكره أنت عن هذه التصريحات هو الدليل على ما قلته أنا بأنه كان يتدخل في الشؤون الداخلية. وانطلاقاً من أنه لا علاقة له بالشؤون الداخلية السورية، فكيف أقدم له وعداً». وتساءل الأسد: «أليس في هذا دليل على الكذب؟ هو يسألني ويقدم نصائح، وأنا لدي تصور وأعلنته في خطاباتي. كان ينصح بالإصلاح أحياناً وكنا نحن قد أعلنا حزمة الإصلاحات بعد ستة أيام من بدء الأحداث في سوريا، في آذار 2011. وها قد نفذنا كل ما وعدنا به حتى تغير الدستور بنحو كامل». وأضاف: «وإذا سألته الآن فقد يتحدث لك عن الإصلاح. لكن أنا أطرح السؤال الآن: لو كان صادقاً في دعوته للإصلاح، فلماذا لم يكن يتحدث فيه منذ سنوات، منذ بداية العلاقات معه عام 2004؟». وتساءل مجدداً الأسد: «هل شعر بالود والمحبة والحرص فجأة تجاه الشعب السوري؟ هل من المنطقي أن يكون حريصاً على الشعب السوري أكثر مني مثلاً؟». وأضاف: «ماذا تقول عني لو قلت لك الآن إنني أكثر حرصاً على الشعب التركي منك أنت كمواطن تركي. لا شك في أنك ستقول إن هذا نفاق. فليهتم أردوغان بشؤونه الداخلية، لا بشؤون غيره لكي يبقى ما بقي من سياسة تصفير المشاكل قابلة للتطبيق».
ورداً على سؤال عمّا كان يريد أردوغان، رأى الأسد أنه «بالمختصر كان لديه (أردوغان) أجندة أكبر من موضوع سوريا، تتعلق ربما بموقعه الشخصي وموقع فريقه. كان يريد أن يكون الإرهابيون أحراراً في عملهم في سوريا. ألّا يسجنوا وألّا يلقى القبض عليهم. وألا ندافع عن أنفسنا. عندها بالنسبة إليه تكون الأمور جيدة».
وفي ما يتعلق بمصطلح «الإرهابيين» وما إذا كان يقصد بهم الرئيس السوري «الإخوان المسلمين»، قال الأسد: «قبل الأزمة بسنوات، كان أردوغان حريصاً دائماً على الإخوان المسلمين السوريين. كان يهتم بهم أكثر مما يهتم بالعلاقة السورية التركية. وبلا شك، بالنسبة إليه الآن هم هاجس أساسي في الأحداث في سوريا، أي الدفاع عنهم ومساعدتهم. طبعاً نحن لا نسمح بهذا الشيء، لا من أجل أردوغان ولا من أجل أي أحد في العالم».
وفي ما يتعلق برؤيته للأسباب التي دفعت أردوغان إلى التغير، قال الأسد: «تغيرت الظروف، وهذه الظروف أظهرت حقيقة أردوغان. وأنا سأعطيك بعض الأدلة. مثلاً، سمعنا الكثير من الصراخ دفاعاً عن الفلسطينيين في عام 2008، عندما هاجمت إسرائيل غزة، ولكن قبلها بسنتين ونصف لم نسمع هذا الصراخ عندما هاجمت إسرائيل لبنان». وأضاف: «هنا مقاومة وهنا مقاومة. هنا إسرائيل تقتل وهنا تقتل. وفي كلا البلدين اقترب عدد الشهداء من الـ 1500».
وعن سبب هذا الموقف من قبل أردوغان، أجاب الأسد: «لأنه أظهر خلفيته الطائفية، لأن الفرق بينهما هو فقط الناحية الطائفية. أردوغان اليوم يبكي من أجل الشعب السوري بكاء المنافقين. لماذا لم يبك من أجل من يقتلون في بعض دول الخليج وهم أبرياء وسلميون لا يحملون السلاح؟ لماذا لا يتحدث عن الديموقراطية في بعض بلدان الدول الخليجية؟». وأعطى الأسد قطر كمثال، قبل أن يضيف: «لماذا لم يفعل شيئاً بعد سفينة مرمرة سوى الصراخ؟ لماذا يتحدى إسرائيل وفجأة يوافق على وضع الدرع الصاروخية في تركيا؟». وتساءل: «هل وضعها لحماية تركيا من هجوم من بلد معاد؟ هل وضعت أميركا هذه القواعد لكي تحمي أميركا من هذه المنطقة؟ من هو البلد الذي يستطيع أن يهدد أميركا من منطقتنا؟ لا أحد». وأضاف: «إذاً، الجواب هو أنه وضعها لحماية إسرائيل. هذه الظروف كشفت حقيقة أردوغان لا أكثر ولا أقل. لم يتغير أردوغان، بل تغيرت نظرة الناس لأردوغان في المنطقة. سقط على الساحة العربية، لم يعد موجوداً، لا هو ولا صدقيته». ورداً على سؤال عمّا إذا كانت «الجسور قد نسفت بينه وبين أردوغان»، قال الأسد: «أعتقد ذلك؛ لأنه فقد صدقيته. وإعادة بناء هذه الجسور تعتمد على إمكانه باستعادة الصدقية على الساحة العربية عموماً، وليس عندي فقط». وأضاف: «القضية ليست شخصية، وعندما يكون لديه الشجاعة بأن يقف ويعترف بأخطائه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى في هذه المرحلة، فلا أعتقد أنه ستكون هناك مشكلة للشعب في منطقتنا، الشعب العربي والسوري تحديداً أن يغفر له. وأعتقد أن الشعب التركي سيغفر له أيضاً».
وعن رؤيته للمخرج للأزمة السورية التركية بعد حادث الطائرة، وتهديد رئيس الوزراء التركي وحشد قوات عديدة على الحدود، رأى أن «المخرج هو في أن تعود الحكومة التركية عن أخطائها في التعامل مع الوضع السوري، وفي عدم استغلالها لأي حدث من أجل خلق مشاكل كبيرة وفي وضع مصالح الشعبين السوري والتركي قبل المصالح الشخصية الضيقة لمسؤوليها». وأضاف: «فإذاً المخرج موجود أمامنا والعملية بسيطة. ليست صعبة على الإطلاق، وأنا متأكد من أن الشعب التركي نفسه سيكون كما الشعب السوري، داعماً لهذا الشيء، وفي مقدمتهم أهالي الطيارين. ويكفي أردوغان أن يستمع إلى تصريح والد الطيار لكي يجد المخرج».