تونس | أثار اعتكاف الرئيس التونسي المؤقت محمد المنصف المرزوقي لمدة أسبوع تقريباً عن الظهور الرسمي، موجة من التعليقات على شبكة «الفايس بوك»، ذهب أغلبها إلى تأكيد استقالة الرئيس، بل حتى إلى إعلانه «إضراباً»، في سابقة غير مسبوقة في التاريخ التونسي. وأشارت المعطيات إلى أن الرئيس المؤقت فكر فعلاً في الاستقالة، وهو ما أكده لبعض قادة الأحزاب الذين التقاهم حسب تأكيد مقربين منهم، رغم تكذيب مستشاره المحامي سمير بن عمر ومدير الديوان الرئاسي عماد الدائمي ورئيس كتلة حركة النهضة في المجلس التأسيسي، الصحبي عتيق، خبر الاستقالة.

تفكير المرزوقي في الاستقالة لم يفاجئ التونسيين؛ إذ إن تسليم البغدادي ورفض إقالة محافظ البنك أثبتا له بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يملك عملياً أية صلاحيات، وأن رئيس الحكومة حمادي الجبالي، الذي لم يذكره حتى مجرد ذكر في خطابه في المجلس التأسيسي، بل كذبه ضمنياً، ليس مستعداً لمشاركته صلاحياته التي أقرها الدستور الصغير ولم يعترض عليها المرزوقي آنذاك، بل رفض دفاع المعارضة عن توسيع صلاحياته.
وفي أول ظهور له بعد غياب أسبوع، بادر المرزوقي إلى استقبال العديد من قيادات الأحزاب التونسية، أبرزهم مية الجريبي وياسين إبراهيم عن الحزب الجمهوري، وأحمد إبراهيم عن المسار الاجتماعي الديموقراطي (التجديد والحزب الشيوعي سابقاً)، وحمة الهمامي عن حزب العمال الشيوعي التونسي، وراشد الغنوشي والصحبي عتيق ومحمد بن سالم عن حركة النهضة، وحسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، وقد أطلعهم على الخلافات بين مكونات الترويكا، وخاصة الخلاف الذي يبدو أنه وصل إلى القطيعة مع رئيس الحكومة حمادي الجبالي.
ومن المرجح أن المرزوقي تطرق في محادثاته مع قادة المعارضة إلى انزعاجه الشديد من الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع ملف آخر رؤساء وزراء النظام الليبي السابق، البغدادي المحمودي، ومع محافظ البنك المركزي الذي أعلن أكثر من مرة أنه سيقيله، بل صدر بيان واضح عن الرئاسة يعلن إقالة المحافظ بعد الاتفاق مع الحكومة، لكن رئيس الحكومة استقبله الاثنين الماضي ليثبته في مكانه.
المتابعون للتطورات السياسية في تونس يؤكدون أن المرزوقي يريد الآن إعادة صياغة تحالفات جديدة مع المعارضة والتمايز عن النهضة التي ربما بدأت في إعداد بديل له، وهو ما فهمه المرزوقي. وإذا كانت «النهضة»، على لسان الوزير محمد بن سالم، وهو أحد القادة التاريخيين للحركة، والصحبي عتيق رئيس كتلتها في المجلس التأسيسي، قد كذبا مجرد تفكير المرزوقي في الاستقالة، بل أكدا أن تحالف الترويكا استراتيجي، فإن ذلك لم يقنع الشارع التونسي الذي يتابع باستغراب الأداء الضعيف والمهزوز للحكومة وللرئاسة وللمجلس التأسيسي، وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة عن مستقبل الانتقال الديموقراطي في تونس بسبب الصراعات والخلافات الشخصية التي لم تعد خافية على أحد، سواء بين مكونات الترويكا أو في علاقة الحكومة مع المعارضة، بل حتى داخل الأحزاب المكونة للترويكا؛ إذ يبدو واضحاً قبل مؤتمر حركة النهضة أن هناك تبايناً في الآراء والمواقف بين رئيس الحكومة حمادي الجبالي ورئيس الحركة راشد الغنوشي الذي يبدو أنه أدى دوراً رئيسياً في إقناع المرزوقي بالتراجع عن الاستقالة.
تحرك المرزوقي جاء بعد تسليم البغدادي المحمودي من دون موافقته ولا إعلامه ولا استشارته، وبعدما ثبت رئيس الحكومة محافظ البنك المركزي كمال النابلي الشخصية الرابعة حسب النظام المؤقت للسلط العمومية، الذي أقاله الرئيس المؤقت، وهو ما عدّه المرزوقي تجاوزاً لصلاحياته، وربما استخفافاً بها.