بنغازي | يتوجه نحو 2.8 مليون ليبي، اليوم، إلى مراكز الاقتراع، في أول انتخابات تعقب اطاحة نظام العقيد الليبي، معمر القذافي، وسط ترقب الشارع وخوف المراقبين من الوضع العام في ليبيا، بعد احتدام المنافسة على مقاعد الجمعية الوطنية الـ200، والموزعة بين 80 مقعداً للقوائم و 120 مقعداً للفردي. وتنحصر المنافسة على هذه المقاعد بين أربعة أحزاب سياسية رئيسية تشكل الثقل الأقوى في رأي المتابعين.


«الجبهة الوطنية»، «تحالف القوى الوطنية»، «الوطن»، و«العدالة والبناء». أربعة مسميات لأحزاب وليدة اللحظة. لا يعرف عنها المواطن إلا القليل، باستثناء حزب الجبهة الوطنية، الذي يعتبر امتداداً للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، التي تأسست في بداية الثمانينيات من العقد السابق، على أيدي مجموعة من الدبلوماسيين ممن انشقوا عن نظام معمر القذافي سنة 1981، وأعلنوا معارضتهم له، وظلوا في المهجر طوال العقود الماضية. إلا أن هذا الحزب لا يزال يحتفظ برجالاته حتى الآن، وأبرزهم الدكتور محمد المقريف، سفير ليبيا في الهند سابقاً، وإبراهيم صهد عسكري، سفير ليبيا في الأرجنتين سابقاً. ويعتمد الحزب بالدرجة الأولى على رصيده في النضال ضد «النظام الجائر» كما يؤكد، وعلى أنه الفصيل الوحيد، الذي لم يهادن القذافي كما أثبتت الأيام. ويؤكد القائمون على حزب «الجبهة الوطنية» أنه لم يقم فقط كحزبٍ سياسي هادفٍ إلى المشاركة في الحكم وإدارة الشأن العام وغيرها من الأمور والقضايا السياسية؛ ولكنه كيانٌ سياسيٌ وطني يحمل مشروعاً حضارياً مُؤسساً على حب الوطن ويبتغي مصلحته، ويرتكز على جملةٍ من الرؤى والتصورات والبرامج الواضحة المعالم الكفيلة بالنهوض بليبيا كوطنٍ معطاء.
أما تحالف القوى الوطنية، فهو كيان حديث أعلن عنه في بداية العام الجاري. أسسه محمود جبريل، الذي تولى مهمة رئاسة وزراء أول حكومة انتقالية، فضلاً لشغله فيها منصب وزير خارجيتها. ويرى جبريل أن «من أولويات تأسيس الدولة في ليبيا، هو فصل الدين عن السياسة». واستقال جبريل فور إعلان تحرير ليبيا، وتفرغ لتأسيس حزبه الذي يضم تحت لوائه عدداً من الأحزاب والمنظمات والتيارات والجمعيات والشّخصيات التي تؤمن بنفس فكره. يعتمد الحزب على أفكار وسطية تميل إلى الانفتاح. ويؤكد القائمون عليه أنهم «ملتزمون بوحدة تراب الوطن، منفتحون على التراث الإنساني والحضارات البشرية، حريصون على صياغة دستور جديد على أساس من التّوافق الوطني ليكون منسجماً مع الهوية الثّقافية للشّعب اللّيبي ومحقّقاً لآماله وتطلّعاته». ويتخذ الحزب من زهرة الصبار رمزاً له.
بدوره، يعد حزب «العدالة والبناء» جديداً هو الآخر. لكنه مبني على سيطرة جماعة «الإخوان المسلمين». 40 في المئة من مؤسسي الحزب هم من الأعضاء البارزين في حركة الإخوان المسلمين، التي أكد منسقها بشير الكبتي، مراراً و تكراراً، أنهم لن يشاركوا في الانتخابات كجماعة. في المقابل، تحدث عن دعم الجماعة لأي حزب صاحب مرجعية إسلامية. حزب «العدالة والبناء»، أسسته مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال والمعارضين السابقين وأعضاء في المجلس الوطني والحكومة الانتقالية. ويؤكد مؤسسوه أن حزبهم هو حزب وطني صاحب مرجعية إسلامية، الانضمام إليه متاح لكل ليبي يؤمن بمنطلقاتهم. ويهدف إلى تحقيق طموحات الشعب الليبي في الحرية والعدالة والعيش الكريم، متخذاً من الحصان رمزاً له، ومن جملة «لتعمّ العدالة ويعلو البناء» شعاره.
الحال ليست مختلفة كثيراً بالنسبة إلى حزب «الوطن». اذ يعتمد على المرجعية الإسلامية في إدارة شؤون الدولة. أبرز مؤسسيه هو القيادي السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة، عبد الحكيم بلحاج، إلى جانب مجموعة من الإعلاميين الشباب وبعض شباب الإخوان المسلمين، الذين رأوا أنه قد آن الأوان لتأسيس حزب لا يعتمد على أيدلوجية معينة سوى الشراكة في الوطن. ويعد حزب «الوطن» من أبرز الأحزاب التي تضم في صفوفها مقاتل سابق. فالليبيون لم يعتادوا على عبد الحكيم بلحاج إلا بالزي العسكري واللحية الطويلة، يجوب جبال أفغانستان القاسية قبل أن يعتقل في غوانتانامو ليسلم بعدها إلى ليبيا ويفرج عنه في صفقة المراجعات. وبعد أن ظهر في العشرين من آب من العام الماضي على الإعلام كـ «محرر» للعاصمة طرابلس، ها هو يظهر عليهم اليوم ببدلته الأنيقة منهياً علاقته مع السلاح التي دامت لعقود كما زعم، محدثاً الليبيين عن حقوق المرأة والديموقراطية والبناء والشراكة في الوطن والحوار.
ويرى المهتمون بالسياسية الليبية، أن حظوظ هذه الأحزاب الأربعة تتفاوت. فبينما يرى الكاتب محمود المفتي، أن «الجبهة الوطنية» و«تحالف القوى الوطنية» سيتقاسمان غالبية المقاعد، يرى الدكتور أمين الهوني أن لـ«الجبهة الوطنية» حظوظاً أوفر.
من جهته، أكد الإعلامي خالد المهير أن «المنافسة سوف تكون شرسة بين الأحزاب الكبيرة، على اعتبار أنها تمتلك الأموال والإمكانيات»، لافتاً إلى أنه من الصعب التكهن بهوية الفائز في الوقت الحالي. ويرى المهير أن «الجبهة الوطنية» ذات تاريخ نضالي طويل، والإخوان لديهم الإمكانيات، وهو ما يجعل الجبهة الوطنية وتحالف القوى الوطنية لديهما فرصة كبيرة في الاستحواذ على نصيب الأسد من المقاعد. أما «الوطن» فيعد تجربة جديدة بسبب ضمه مسلحين وسياسيين. ووفقاً للمهير قد تجد هذه التجربة شعبية لدور بلحاج المثير للجدل.
أما الناشط السياسي، جمال أحمد حاجي، فيرى أن الانتخابات ستكون بين أصحاب المال وأصحاب النفوذ في العهد السابق، إلى جانب من يملك القدرة على التنظيم والإمكانيات، مع نفر قليل من وطنيين مستقلين. ويوضح حاجي أن هذا الواقع فرضته قيادة غير مؤهلة لادارة مرحلة التحول الديموقراطي، مبدياً أمله أن تظهر من بين الكيانات قوة وطنية تصحح هذا الواقع حتى لا تولد ديموقراطية مشوهة.
من جهتها، ترى أستاذة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد جامعة بنغازي، أم العز الفارسي، أن الجبهة الوطنية لها الحظوظ الأوفر، حيث أنها قد أعدت القوائم وفقاً لمؤشرات التوافق مع مرشحين يمتلكون قبولاً اجتماعياً وسياسياً، لكنها أشارت إلى تحفظها على أنانية قياديي الجبهة وتمسكهم في احتلال رأس القوائم.
أما الكاتب الصادق دهان، فأشار إلى أنه لا يوجد كيان سياسي في ليبيا كما في كل العالم لا يرفع الشعارات العامة، التي يراها الناس سامية وتنادي بالقيم المطلقة كالحرية والمساواة والعدالة والازدهار والأمانة والحرص والوطنية، وغيرها من الشعارات التي لا يمكن إلا أن تتقاطع مع طموح الناس ورغبتهم في تحقيق أحلامهم التي طالما حرموا منها. كما أشار إلى أنه لا يوجد من يرفع شعاراً مستفزاً أو معادياً، وبالتالي فالفارق في الحظوظ لا يأتي من هذه الزوايا النظرية التي يدّعي كل منافس انتخابي تبنيه لها. وأوضح أن ما يشكل الفارق محوران: الكيانات التي استخدمت عملياً رموز الوطن من الأحياء والأموات قبل وأثناء ثورة 17 شباط، والكيانات التي تدعو إلى تسهيل الحياة على الناس في دنياهم وانتماءاتهم.
وهذان العنصران يقترب منها كثيراً، وفقاً لدهان، حزب تحالف القوى الوطنية الذي استند في تأسيسه إلى مؤسسات المجتمع المدني في كل ليبيا، بالإضافة إلى أن ما يميز هذا الكيان تحديداً هو سمعة رئيسه محمود جبريل كخبير استراتيجي ودوره الذي يشيد به الجميع تقريباً داخلياً وخارجياً. كما أنه استطاع بحضوره وبساطة شخصيته وثقافته أن يجعل الواقع المحيط به شفافاً نتيجة تمكنه من الإجابة عن معظم الأسئلة الصعبة التي تقلق المجتمع. كما نجح في ادارة الحملة الانتخابية من خلال التواصل الناجح مع لناخبين واحتواء قائمته على نخبة من المثقفين وأساتذة الجامعات من الشهادات العليا. لكن جزءاً من الرأي العام، يصنف رئيس هذا الكيان في التيار العلماني. لكن جبريل تمكن من التصدي لهذا التصنيف بحكمة وكفاءة.
ويضيف الناشط، محمد سحيم، أن حظوظ الكيانات السياسية في انتخابات المؤتمر الوطني المقبلة يصعب تحديد بعض ملامحها، لأسباب عديدة لعل أهمها هو تحايل بعض الأحزاب في دخولها الانتخابات من باب الترشيح الحزبي والترشح بصفة مستقلة، مفضلين عدم اظهار الانتماء إلا بعد ظهور النتائج. لكنه يعتقد بأن الخيارات الشعبية ستصب في جانبي الأمن والتنمية. كما اعتبر أن فشل المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الانتقالية في بعض مهامهم، وخصوصاً المرتبطة بالتعامل مع بقايا النظام السابق سيقوي من حظوظ القوى اليمينية على غرار حزب الجبهة الوطنية.




كيانات حزبية بلا شعبية


في تعليقه على الانتخابات الأولى بعد سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي (الصورة)، يرى السياسي الليبي، الدكتور ابراهيم قويدر، أن المواطن الليبي سيصوت للأفراد المستقلين. كما أن القوائم سيختارها المواطن من خلال الأفراد وليس المكونات السياسية. وبعدما لفت إلى أن الأحزاب ليست لها قواعد شعبية، أوضح أن الفارق يتمثل في اقناع بعض الشخصيات ذات المنزلة الاجتماعية والقبائل لضمها إلى القوائم الحزبية. ولذلك، فلن يكون هناك تأثير كبير لهذه الكيانات الحزبية في تسيير دفة المرحلة الانتقالية الثانية. كما يرى أنه لن يكون منهم رئيس ونواب المؤتمر الوطني ولا رئاسة الحكومة. ومن وسط هذا الاختلاف الواضح في وجهات النظر، يظل التساؤل الأبرز لدى المواطنين عن مصدر المبالغ الطائلة التي صرفتها الأحزاب على حملاتهم الانتخابية.