تنطلق اليوم انتخابات أول برلمان ليبي، وسط توتر ومشاحنات تغلب عليها سعادة المواطن الليبي بهذا الحدث. ووسط تفاؤل البعض وترقب من البعض الآخر، يسود الشارع الليبي قلقٌ وغموضٌ وشائعات. وسيضطر 2.5 مليون ناخب مسجل في قوائم الانتخابات إلى الانتظار بدءاً من ساعات الصباح الأولى ليصطفّوا في طوابير لم يعتادوها سوى أمام المصارف في بداية كل شهر، وكلهم أمل بانتخاب مجلس شرعي يحقق آمالهم ويلبّي طموحاتهم وينتشلهم من دوامة الفوضى التي هووا إليها.

ويعيش الليبيون لأول مرة مشهداً لم يعتادوه من أجواء الانتخابات، وينظرون بعين الحيرة إلى صور المرشحين التي لم يعتادوها، وهم من تعوّدوا فقط صور العقيد الراحل معمر القذافي تغطي كل البلاد. واليوم لا يصعب على أي زائر لأي مدينة من المدن الليبية معرفة ما ينتظره الليبيون. فصور المرشحين وملصقاتهم تكاد تنطق: «أنا خياركم». وينظر الليبيون إلى الانتخابات على أنها غد ستشرق فيه شمس الديموقراطية بدون استخدام السلاح لفرض الرأي، في الوقت الذي لم يجد فيه الشباب الغاضب المطالب بتسوية المقاعد سوى مقاطعة الانتخابات رداً على تجاهل المجلس الانتقالي لمطلبهم، وسط أعمال عنف وتخريب وسرقة وسلب وحرق يُجهل مصدرها. وفي الطرف الآخر، حيث تطبخ القرارات، أعلن فجأة وبدون مقدمات تعديل في نص الإعلان الدستوري للمرة الثالثة، حيث سُمح في هذه المرة بانتخاب لجنة الـ60 ـــ تأسيسية الدستور ـــ عن طريق الانتخاب الحر، على غرار لجنة الـ60 التي أُلّفت منذ عقود مضت لوضع دستور سنة 1951 المعطّل.
أما شوارع بنغازي، فما زالت تمتلئ بالمتظاهرين الرافضين للانتخابات، وحجتهم عدم تسوية المقاعد، في الوقت الذي يحاول فيه وجهاء المدينة وشيوخها تهدئة الأوضاع، لكن الحشود الغاضبة ترى أن سعي هؤلاء لن ينجح لأنهم فشلوا في الأمس القريب في المهمة نفسها حين حاولوا منعهم وشركاءهم في الوطن من الخروج ضد القذافي. ووسط كل هذه الأجواء المليئة بالأحداث، تجد من هم يسهرون في ساحات المدينة وعلى شواطئها، في الوقت الذي دخلت فيه ساعة الصمت الإعلاني حيّز التطبيق بعد مناظرات ولقاءات وندوات فشل بعضها ونجح الآخر، ويبقى القاسم المشترك بين كل هذه التجاذبات هو إرادة المواطن للانتخاب غداً وتسليم البلد إلى سلطة تشريعية منتخبة، وسط سؤال يفرض نفسه. فهل يُصلح العطّار ما أفسده الدهر؟
ريم...