مخيم اليرموك | لم تقو على الانتظار لأسبوعين جديدين تتوج بهما 64 عاماً بعيداً عن أرضها هناك، حيث الجنوب القريب. رحلت. سنوات عمرها الست والثمانون لم تمنعنا من القول إنها رحلت باكراً، وأخذت معها الكثير: رائحة الكلام الهارب من ذاكرة تلة الجليل إلى بريق العينين الذي أشعل ليل الناصري، عشق النباتي على مائدة الغداء، الانفعال الريفي في قامتك القصيرة بحضور بناتك اللواتي لم يكبرن يوما في عينك. معذرة سأنتهك بعضا من خصوصيتك وأخرج من حقيبتك صورة كنيسة الروم الأرذثوكس في قريتك المجيدل الناصرية، لأحتفظ بها. أريها لكل من يزورني كما كنت تفعلين. وأخرج معها كل الروايات عن الأولياء الصالحين والأطفال المبروكين، وتنافس أهالي قريتك في إطلاق الالقاب الهزلية على بعضهم وحبّك الدائم لطقوس الزواج التي ورثتها عن الذاكرة.


ما أجملنا حين كنا نسخر قائلين بأنك أرسيت الطريق للثقافة العلمانية والتعددية، أليست هي الحقيقة؟ أليست أحب القصص إلى قلبك، صداقتك مع كاترين المسيحية، وتقدم والدها لخطبتك لابنه بطرس ورفض والدك لاختلاف الأديان؟ ماذا كنت لتخبري صديقي اليسوعي الذي زارني وشتمني لأنك كنت نائمة حينها؟ هل كنت لتبحثي في كلامه عن راهبة قدمت من ايطاليا وشاركتك آلام مخاضك في ابنك البكر؟ هل كنت لتبحثي في ملامحه الشقراء عن الخوري معلمك الأول، وفي صوته عن ترنيمة تعيدك ستين عاما إلى الجليل؟
أواصل تخميني: لم لم يطل حديثك عن الناصرة؟ عندما عدت اليها زائرة في العام 1976 بتصريح من الأردن، سألتك مرارا لكنك لم تُستفزي ولم يشعلني بريق عينيك. أفوجئت بإقامة عائلة من يهود «موروكو» في منزلك؟
عدت ولم تأكلي من شجرة التين التي بقيت شاهدة على مرورك يوما. خبا فيك صوت المجدلية وأصوات صديقاتك الحسناوات. كنت تودين التعثر بصوت أخيك «فضيلة: هاي خرجيتك لليوم.. ارجعي بسرعة عالدار». لكن رددت الصدى دون أن تتنشقي الكلام «خيا نايف زودلي المصروف اليوم عندي رحلة مع المدرسة».
من أين لك بهذي النرجسية بعد هذا الانتظار، وهذه القدرة على تحوير الألم إلى أغنية للألم؟ من أين لك بهذي الأفكار عن الحرية؟ سألتك يوما وجاءت الإجابة بعد أعوام: أن يا صغيري هي التحرر من قوانين الشيخوخة عندما يتعلق الأمر بالجليل، والخروج عن المألوف حين لا يعيدنا المألوف إلى الجليل.
أخيراً ها قد جاءت صديقاتك من «المزة»، أحد أحياء دمشق التي أحببت. كنت تفضلينه على المخيم. لا تريدين شيئا يذكرك بفصل اللجوء، لا شيء سوى فصل الجليل يملأ الذاكرة. ها قد جاؤوا ليقولوا بأنك كنت خير وصيٍ على «مئذنة العروس» الدمشقية في غياب الناصري الذي وعد بأن ينزل من السماء في آخر الزمان ليحارب منها المسيح الدجال؟. وأنهم سيبقون أوفياء للغيمة التي ألقت عليك تحية الوداع بزخات ناعمة وتراب المزة يضم جسدك.
تبصر الميرمية الصناعية نورها في مطبخنا الصغير، تشعر بالخجل من زجها في أي كوب شاي كنت دوما ميرميته الطبيعية. يخرج طلال حيدر فجأة من مذياع مهمل «بيني وبينك طير وطير نادوا كلن عالفراق»، وكأنه يجيب على سؤال المريمية فينا. يحتد الحوار وتفصل بينهما ريح هادئة جنوبية تدخل من النافذة.
وعلى طريقة الأم تيريزا فعلت دوما أشياء صغيرة لنا ولكن بحب كبير.. سنديانتي لا أقوى على أن أقول وداعا..