كارت إعاشة لكندية؟


قاسم س. قاسم
أبصرت ميرا رامي قاسم النور. المولودة الجديدة والدها لاجئ ابن لاجئ. لكن ميرا، وبما أن والدتها كندية الجنسية، وبما أنها ولدت فوق الأراضي الكندية، وبما أن كندا بلد يسمح للأم بإعطاء جنسيتها لأولادها على عكس لبنان، فإن ميرا مع شهيقها الأول خارج رحم أمها، أصبحت بصورة تلقائية كندية الجنسية.
هكذا، ومع مجيء ابنة شقيقي الأصغر أصبحت عماً لكندية. الفتاة ستكبر حاملة جنسية غير هوية والدها الفلسطيني. أن تكون كندياً أفضل من كونك فلسطينياً، ليس في لبنان فقط بل حتى داخل فلسطين نفسها. هنا الفكرة ليست عبارة عن التخلي عن الوطن، لكن على أرض الواقع، وخلال حياتك اليومية، فإن الهوية الفلسطينية في أغلب الأحيان تكون عبئاً على حاملها، والفلسطينيون هم أكثر من قد يفهمون هذا الكلام. إذ مهما بلغ حجم التماهي مع اللاجئين من قبل المتضامنين العرب والأجانب، إلا أن الألم الفلسطيني اليومي لن يشعره ويفهم وجعه إلا الفلسطيني الذي يعيشه.
بمجرد كونك فلسطينياً فأنت ممنوع من الدخول الى العديد من بلدان العالم. في السابق، أي أيام الثورة الفلسطينية، كان كل فلسطيني يعتبر إرهابياً محتملاً، وكل من يحاول السفر حاملاً «جواز سفر خاصاً باللاجئين الفلسطينيين» يواجه صعوبات في المطارات. ومنعاً لكل هذا العناء، ترفض الدول منحه تأشيرة دخول للبلد المقصود من الأساس خوفاً من قيامه بأي عملية عسكرية محتملة.
أما في أيامنا هذه، فإن هذا التخوف تبدّل من كون الفلسطيني «مشروع شهيد» ليصبح شخصاً يريد الهرب من واقعه السيئ في المخيمات ليطلب اللجوء لمرة ثانية. لذلك ترفض هذه الدول منحه تأشيرة دخول الى أراضيها من الأساس.
وهذا ما جرى مع شقيقي. عندما تسأله عما جرى معه وإذا ما كان قد أخذ الفيزا، يجيبك بعصبيّة: «خيِّ، أنا باسبوري فلسطيني مش أميركاني، مصعبينها شوي». فهو كان قد تقدم بطلب لتأشيرة دخول الى الأراضي الكندية، لا بهدف اللجوء بل لحضور ولادة طفلته. السفارة الكندية في الإمارات، حيث يقيم ويعمل، رفضت طلبه في المرة الأولى بسبب خطأ ارتكبه في تعبئة الطلب.
أعاد الكرّة ثانياً، لكن هذه المرة تأخر بت طلبه وأنجبت زوجته وستبلغ طفلته شهرها الأول وهو لا يزال ينتظر رد السفارة الكندية في الإمارات. وعند سؤاله عن سبب التأخر في بت الطلب، يأتيه الجواب «إننا نجري تحقيقاتنا وسنردّ عليك في القريب العاجل». حالياً، على شقيقي انتظار انتهاء التحقيقات بشأنه. أعلم أن السفارة لن تجد في ملفه شيئاً، إذ لم يكن له علاقة يوماً ما بأي شيء يتعلق بنشاطات خاصة بالقضية الفلسطينية.
وفي هذه الحالات، فإن جنسية أخرى لإحدى الدول العظمى ستفيدك في أي شيء، وخصوصاً في حالات الطوارئ، وحرب تموز عام 2006 خير دليل على ذلك. حينها عادت جيوش العالم مجدداً الى سواحل بيروت من أجل سحب رعاياها، فلو كانت ميرا ووالدها وأمها موجودين في تلك الفترة في لبنان لكانت السفارة الكندية سحبت العائلة كلها، ما عدا والدها. هنا في هذه الحالات، تفيد الهوية الأخرى غير الفلسطينية أو اللبنانية أو حتى أي هوية عربية أخرى.
مع مجيء ميرا الى الوجود وانضمام جنسية جديدة الى العائلة بعد الجنسية الأميركية التي يحملها أشقائي وأولادهم، ظهرت إشكالية أخرى، وهي هل هناك داع لتسجيل كندية على «كارت إعاشة»، وقي حال تسجيلها فعلاً في سجلات الأونروا، فبماذا سيفيدها هذا «الكارت». إذ إن من يعيش داخل المخيم لا يستفيد منه بشيء، وأيام عزّه ولّت، ولن تعود على الأقل في المدى المنظور.
أما بالنسبة إلى والد ميرا، فهو مصمم على تسجيل ابنته على «كارت الإعاشة»، واستصدار «بطاقة خاصة للاجئين الفلسطينيين» لها من المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين. السبب ليس للاستفادة من «كارت» الأونروا بشيء، ولا للحقوق التي تعطيها القوانين اللبنانية للاجئ الفلسطيني على
أرضها.
شقيقي يريد فقط من ابنته عندما تكبر أن تعرف أن هناك في الشرق قطعة أرض احتلها إسرائيليون، وطردوا جدّها منها، وهذه الأرض أرضها وأرض والدها وجدها، وأنها لو تكلمت الإنكليزية أو الفرنسية بطلاقة فهي بالنهاية لاجئة ابنة لاجئ، حتى لو كان معها جنسية كندية يحلم بها جميع من في
المنطقة.