القاهرة | أصدر الرئيس محمد مرسي، أمس، قراراً جمهورياً بإعادة مجلس الشعب المنتخب لممارسة اختصاصاته المنصوص عليها في المادة 33 من الإعلان الدستوري، وسحب قرار المشير محمد حسين طنطاوي بحلّه تنفيذاً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 14 حزيران الماضي. تضمّن قرار مرسي ثلاث مواد، ربط عودة مجلس الشعب بوضع الدستور الجديد للبلاد حيث يمارس المجلس اختصاصاته إلى حين موافقة الشعب على الدستور الجديد، الذي تعكف حالياً الجمعية التأسيسية الثانية (تنتظر أحكاماً قضائية لحلها) على كتابته، على أن تجري الدعوة إلى انتخابات مبكرة لمجلسي الشعب والشورى خلال 60 يوماً من إقرار دستور البلاد.

ووفى مرسي بالعهد الذي قطعه على نفسه أمام المعتصمين في ميدان التحرير بعودة المجالس المنتخبة، أي «مجلس الشعب»، وفي المقابل نقض العهد الذي قطعه أمام قضاة المحكمة الدستورية العليا «باحترام أحكام القضاء». قرار مرسي فجّر عاصفة من الغضب داخل الأوساط القضائية في مصر، التي رأت أن مرسي تفوّق على الرئيس السابق حسني مبارك الذي عُرف بعدم احترامه وتنفيذه لأحكام القضاء، إذ قال نائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«الأخبار»، إنّ «قرار الرئيس المصري هو سابقة لم تحدث من قبل في التاريخ المصري في إهدار مبادئ أحكام المحكمة الأعلى في مصر». وأضاف «مرسي أدخل نفسه في مأزق قانوني، بمعاونة مستشارين قانونيين ليس لديهم خبرة قانونية». وتوقّع «أن يتمّ إلغاء قرار مرسي، قريباً، أمام إحدى المحاكم المصرية، لأن قراره مخالف لمبدأ قضائي ودستوري، سبق أن أرسته أهمّ جهتين قضائيتين في مصر، المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا».
وشرع القضاة في الدعوى إلى انعقاد جمعياتهم العمومية «للوقوف كحائط صدّ» أما قرار مرسي، الذي رأوا فيه «خطوة للقفز فوق سلطاتهم، وتجاهلاً لمبدأ الفصل بين السلطات». من ناحيتها، أعربت جماعة الإخوان المسلمين، على لسان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان، أنّ «عودة البرلمان للانعقاد تأكيد لإرادة الشعب واحترام ﻹرادته، واحترام لحكم الدستورية، والسيادة للشعب وحده، وعلى المضللين احترام عقول الناس». وأكد العريان «أن قرار مرسي لا يعني على الإطلاق عدم احترام أحكام القضاء، بل مجرّد إلغاء لقرار المشير غير القانوني». وأضاف العريان، في تصريحاته عبر موقع شبكة التواصل الاجتماعي «تويتر»، أنّ «القوات المسلحة ليست مسؤولة عن الشرعية، والشعب هو المسؤول عن حماية الشرعية وحماية مكتسباته»، وأضاف «الجيش سيحترم الرئيس والشرعية ولن يستجيب للتحريض، لأن إنجاز الدستور هو المهمة اﻷساسية اﻵن». ودعا العريان «فقهاء الفتنة ودعاة الحكم العسكري» إلى «العودة الى صوابهم وأن يلتحقوا بالشعب وﻻ يقفوا ضد إرادة اﻻمة».
ومن الناحية القانونية، أكد المستشار أحمد وجدي أن المشير سبق أن أصدر قراراً بتنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان بوصفه قائماً بأعمال رئيس الجمهورية، وما دام مرسي تسلّم صلاحيات عمله كرئيس للجمهورية، فقانوناً من حقّه سحب قرار المشير بحلّ البرلمان وإلغاؤه أو تعديله. ولفت وجدي الى أن قرار مرسي، ظاهرياً، «يتعارض مع قرار المشير بحل البرلمان، إلا أنه واقعياً قرار يصبّ في خانة الصدام مع المحكمة الدستورية العليا، وهي أعلى جهة قضائية في مصر»، لافتاً الى أن حكم المحكمة الدستورية العليا بحلّ البرلمان هو أمر واجب النفاذ، ولا يحتاج إلى قرار من المشير، «وسحب قرار المشير لا يعني وقف حكم الدستورية والتراجع عن حلّ البرلمان».
في المقابل، وعلى خلاف قوى الغالبية البرلمانية الإسلامية (الإخوان والسلفيين) التي رأت في قرار مرسي «عودة الحق إلى أصحابه»، أكد عدد من النواب، المحسوبين على القوى المدنية، رفضهم عودة البرلمان على حساب إسقاط دولة القانون. وقال عضو المكتب السياسي لحزب المصريين الأحرار، عضو مجلس الشعب باسل عادل، «إن هذا البرلمان منتخب شعبياً، وسلطة قراره هي السلطة السيادية للشعب، وانتخبه أكثر من 30 مليون مواطن مصري، ولكن لا يصح أن يرجع البرلمان على جثة دولة القانون والدستور». وأضاف أن الرئيس مرسي مطالب بتفسير لكيفية التحايل على حكم المحكمة الدستورية العليا القاطع في هذا الشأن».
بينما، تباينت ردود فعل الشارع المصري، حيث أكد البعض أن «قرار مرسي يضمن عدم تمكين المجلس العسكري من سلطة التشريع ويعيدها الى البرلمان الذي جاء بإرادة الجماهير»، فيما رأى آخرون «أنها بداية غير مبشّرة للرئيس محمد مرسي، أظهر فيها تحيّزه الكامل للجماعة التي ينتمي إليها، وقالوا إن مرسي أقدم على أمر لم يجرؤ مبارك عليه، وقام بمخالفة أحكام الدستورية العليا من أجل تمكين الجماعة من السيطرة على كافة السلطات، بما فيها السلطة القضائية».
من جهتهم، أكّد قانونيون أن قرار مرسي لن يدوم طويلاً، مبررين ذلك، بأن قرار مرسي هو قرار إداري يخضع لرقابة القضاء عليه. ولفتوا الى أن هناك عدداً من المحامين أعلنوا أنهم بصدد إقامة دعوى قضائية لإلغاء قرار مرسي، وخاصة أن القرار يخالف الأعراف والمبادئ القضائية المعمول بها، مؤكدين أن قرار مرسي محكوم عليه بالبطلان. ولفت أحد المحامين «الأخبار» إلى أنه «في حال صدور حكم قضائي بإلغاء قرار مرسي بعودة البرلمان، لا يستطيع الرئيس تجاهله وعدم تنفيذه، وإلا سيعرّض نفسه للعزل من منصبه، حسبما تنص القوانين المصرية التي تؤكد أن جزاء أي موظف رسمي يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي هو الحبس والعزل من منصبه، في الوقت الذي نقلت فيه مصادر عسكرية أنباءً تفيد بانعقاد المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اجتماع طارئ لبحث القرار الجمهورى الذي أصدره مرسي، بعودة مجلس الشعب.