تونس | في صورة جديدة من صور تغول حركة النهضة، واتجاهها نحو ترسيخ «ديكتاتورية الجماعة»، وفي مشهد يبرز «زواج مصالح» جمع بين «التجمعيين» والنهضة، صدّق المجلس الوطني التأسيسي التونسي على تعيين الشاذلي العياري محافظاً جديداً للبنك المركزي التونسي، خلفاً لمصطفى كمال النابلي الذي أقيل قبل أسبوع.


وصوت 97 نائباً لمصلحة قرار تعيين العياري مقابل 89 صوتاً ضد القرار، فيما احتفظ أربعة نواب بأصواتهم، في تصويت مريب، اذ إن عدد المصوتين بلغ 190 صوتاً، فيما الحاضرون من نواب المجلس بلغ 156 نائباً فقط، وهي النقطة التي جعلت المعارضة من مختلف الكتل تطالب بإعادة التصويت.
تعيين الشاذلي العياري (79 عاماً) على رأس أكبر مؤسسة تتحكم في السياسة المالية والنقدية التونسية كان محتدماً، حتى قبل إقالة النابلي الذي كان كبش فداء لـ«صراع» رئاسة الجمهورية، الفاقدة للصلاحيات، ورئاسة الحكومة، على خلفية تسليم رئيس وزراء نظام القذافي في ليبيا البغدادي المحمودي، من دون استشارة الرئيس المنصف المرزوقي.
ويُعَدّ خليفة النابلي، أحد كبار رؤوس النظام البائد، وباعترافه أمام المجلس التأسيسي؛ إذ إنه كان عضواً في مجلس المستشارين في العهد السابق الذي كان أعضاؤه تعينهم سلطة الحزب الواحد (التجمع سابقاً). كذلك فإنه كان وراء إمرار قانون «تخوين» المعارضين الذي استصدره نظام زين العابدين بن علي سنة 2010. وألف مع مجموعة من المنتمين إلى حزب «التجمع» كتاب دعاية لنظام بن علي. ورغم ذلك، يذكر للعياري تولي حقيبة الاقتصاد في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة خلال سبعينيات القرن الماضي، وشغل مسؤوليات في البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة. ولعل تعيين العياري يأتي ليكون إحدى الحجج الجديدة حول تعامل حركة النهضة مع رجال النظام السابق، وليؤكد أن الحركة فعلاً تكيل بمكيالين، في وقت تروج فيه الحركة في الوسط السياسي لضرورة منع التجمعيين من العودة عبر ثقب حركة نداء تونس التي أسسها الباجي قائد السبسي. في الوقت نفسه، جاء تعيين العياري قبل الإقالة الفعلية للنابلي بأكثر من أسبوع، حيث إن الأخير أقيل بعد تصويت المجلس التأسيسي في جلسة التاسع عشر من هذا الشهر، فيما مضى المرزوقي قراره بتعيين العياري في الحادي عشر من الشهر نفسه، ما طرح عدة استفهامات حول مدى اضطلاع سلطة المجلس التأسيسي كسلطة أصلية في هذه المرحلة.
وتسعى «ترويكا النهضة»، وفقاً للنابلي، إلى إدخال انتعاشة اصطناعية في دواليب الاقتصاد الوطني، عبر ضخ أوراق نقدية في المؤسسات المالية، وذلك لغايات انتخابية، تسعى من خلالها إلى إنعاش الاقتصاد حتى بلوغ موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل.
هذه الاستراتيجية النقدية الجديدة، يمكن أن تكون لها أهداف قصيرة المدى من حيث تحقيق «انتعاش اصطناعي»، إلا أنها تدفع إلى مصائب مالية خطرة على الاقتصاد التونسي؛ إذ إنها ستؤدي إلى نسبة تضخم كبيرة للعملة، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى زيادة في تدهور قيمة العملة التونسية، وهو ما سيكون له عواقب على حركة الاستثمارات إضافة إلى زيادة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.
تأتي هذه الاستراتيجية في وقت يبدو فيه أن الحكومة باتت تشكو من شح الموارد مع عدم توافر القروض والهبات التي سعى إليها الجبالي في عدة زيارات مكوكية كان بعضها ذا طابع تسولي، أراد من خلالها محاولة انعاش الاقتصاد بالقروض والهبات والودائع. إلا أنه يبدو أن الأبواب أوصدت فكان الحل الأقرب «تعويم العملة» التونسية، لتحريك دواليب الإنتاج. وتأتي هذه الخطوة في وقت خفضت فيه مؤسسة «ستاندرد اند بورز» التصنيف الائتماني السيادي لتونس بمقدار درجتين إلى الدرجة العالية المخاطر، مبررةً ذلك بأن مؤشرات الاقتصاد والمالية العامة والدين الخارجي أضعف من المتوقع بالرغم من الاستقرار السياسي العام.