نيويورك | لاحظ مراقبون الوجه المكفهر للمبعوث الدولي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ وهو يخرج من مجلس الأمن الدولي بعد ساعات من البحث مع الأعضاء حول آفاق الحل في اليمن. وعندما تحدث قبل يومين عن اقتراب عقد مؤتمر جديد للحوار بين الأطراف اليمنية، لم يبد واثقاً من كلامه ولم يكن في أحسن أحواله. ولد الشيخ يتعرض لضغوط شديدة من جهتين: السعودية تستخدمه لكسب الوقت لتغيير الواقع الميداني، والأمم المتحدة ومن خلفها الدول الغربية ما عادت تحتمل التخبط الذي تسير فيه العملية العسكرية في اليمن بعد توسع نفوذ تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في كل اتجاه من حضرموت إلى تعز.


انتهكت السعودية كل المحاذير في الوقت الضائع بين اتفاق فيينا النووي مع إيران وبين مرحلة تطبيقه. القلق الأميركي من التخبط السعودي في اليمن ليس وليد الأيام والأسابيع القليلة الماضية، بل يعود إلى أواخر أيلول حين حضر الرئيس الأميركي باراك أوباما الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. حرص الأمين العام بان كي مون يومها على إصدار تصريح ينتقد فيه بشدة الآثار التدميرية التي يخلفها قصف «التحالف» الذي تقوده السعودية على المدنيين اليمنيين وبناهم التحتية وطلب وقفه فوراً.
وبان لا يعبر عن رأيه فقط. فما قاله لم يكن بوسع الرئيس باراك أوباما قوله في ذلك الوقت. «الأخبار» علمت أن أوباما شكر بان في لقائهما الخاص المنفرد على تلك الملاحظة تحديداً. وهذا وصل إلى المسؤولين السعوديين الذين استشاط غضبهم وجعلهم يقولون في جلساتهم المغلقة، وعلى مستوى ولي ولي العهد محمد بن سلمان كلاماً غليظاً بحق الأميركيين. نُقل عن وزير الدفاع السعودي قوله إن عداوة الولايات المتحدة «تكون أحياناً أفيد من صداقتها». ولوحظ بعدها انفتاح محمد بن سلمان على موسكو وزيارته لها. خطوات أثارت حفيظة شركاء السعودية في مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما قطر والكويت، ورأوها متهورة للغاية.
في هذه البيئة السياسية المعقدة وجد ولد الشيخ نفسه منعزلاً كلياً. سُدّت أمام المبعوث الدولي الأبواب وجعلت خياراته تتقلص، ولا سيما بعد أن أوصدت حركة «أنصار الله» وحزب «المؤتمر الشعبي العام» الباب في وجهه أيضاً.
أرسل ولد الشيخ مساعده كيني غلوك لمقابلتهم في مسقط، لكنهم رفضوا استقباله بعدما شعروا بأن الأمم المتحدة ممثلةً به تراوغ كثيراً وتلعب لعبة السعودية عبره. والحقيقة أن الأمم المتحدة باتت عدة أطراف ولم تعد طرفاً واحداً. اقتنع «أنصار الله» وحلفاؤهم بأنهم خدعوا عدة مرات. هم حرصاء على وقف معاناة شعبهم الشديدة في ظل الحصار والقصف المستمر، لكنهم ليسوا بوارد الاستسلام كما يرتجي السعوديون منهم، وكما يعمل ولد الشيخ من أجل تحقيق تلك النتيجة.
شعر فريق صنعاء بأن الحديث عن مؤتمر ما هو إلا مناورة في وقت تلقى فيه أطنان الذخائر على مناطق مثل تعز وتتكثف الغارات الجوية بنحو جنوني على صنعاء والجوف ومأرب وصعدة وحجة وغيرها. حتى إن صيادي السمك في الحديدة لم ينجوا من البطش. ويستخدم «التحالف» أسلحة محظورة على نطاق واسع، كالقنابل العنقودية والفوسفورية، وحتى قنابل يشتبه في أنها تحتوي على يورانيوم منضب. كل المؤشرات توحي بأن السعودية التي باتت تواجه الملاحقة لارتكاب جرائم حرب موصوفة بعد قصف مستشفيات دولية، تريد أن تتبع أسلوب تأجيج الحرب الأهلية إذا لم تستطع تحقيق انتصار ناجز.
في اليومين الماضيين، ألقت السعودية الكثير من أطنان الذخيرة والسلاح على مدينة تعز الاستراتيجية الكثيفة السكان التي تخاض فيها معركة شرسة وحصار منذ ستة أشهر. شقت الجرافات طريقاً جبلياً نحو المدينة وأوصلت الكثير من ناقلات الجند المصفحة إلى حميد مخلافي، رئيس ميليشيات حزب «الإصلاح» في المدينة. وهناك آلاف المقاتلين من تنظيمي «داعش» و«القاعدة» ينقلون من سوريا إلى عدن، ومنها إلى تعز لخوض معركة في اتجاه صنعاء يرفض اليمنيون الجنوبيون خوضها. وحتى لو أن هؤلاء لم ينجحوا في تحقيق إنجازات ميدانية فعلية على الأرض، فإنهم في أسوأ الأحوال يستطيعون إدخال البلاد في أتون حرب أهلية طويلة لا تكون فيها اليمن من حصة أي من الأطراف. أسلوب اتبع في لبنان والعراق وسوريا وأفغانستان وليبيا والصومال وغيرها من الدول، وبرهن أنه مجدٍ للمعتدي العاجز عن الانتصار، رغم أنه يهدد بنشر عدواه إلى الجوار.
إزاء هذا الوضع المعقد، ترجح الأوساط الدبلوماسية دخول اليمن مرحلة المراوحة الطويلة الأمد ريثما يحدث تغيير فعلي في صنعاء وبقية المدن الرئيسية، أو في الرياض، لكن خطر المجاعة تجاوز بعض الخطوط الحمر.


خُمس السكان
يعانون حالياً من نقص الطعام وفي حاجة ماسة إلى المساعدة


وفي هذا الصدد، حذرت الأمم المتحدة، أمس، من تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، ما يهدد عشرة من ٢٢ محافظة بمجاعة وشيكة. وأكد الناطق الرسمي باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك أن الوضع الأمني من غارات جوية وقتال بري يعرقل منذ وقت وصول المساعدات للمحتاجين. وأضاف أن برنامج الغذاء العالمي رفع الصوت، مؤكداً أن وضع اليمن الغذائي الهش «يتدهور بسرعة»، إذ هناك عشر من ٢٢ محافظة يمنية مصنفة بأنها تواجه عدم أمان غذائي من مستوى الطوارئ، «وهي درجة واحدة دون المجاعة».
وأكد دورجاريك أن وكالات الإغاثة في حاجة إلى التحرك بأمان وبسلاسة لتوفير المعونة لكي تصل إلى كل المحتاجين كي لا يغرقوا أكثر في الأزمة. وأشار دوجاريك إلى أن اليمن لديه أعلى درجة من درجات سوء التغذية بين الأطفال في العالم، «خُمس السكان يعانون حالياً من نقص الطعام وفي حاجة ماسة إلى المساعدة. والوضع العسكري في اليمن لا يزال في ذروته من حيث كثافة الغارات والقتال البري، ما يعرقل قدرة الأمم المتحدة على إيصال المساعدات».
وأوضح أن تعز تعاني بشكل خاص لجهة الطريق الممتدة إلى صنعاء جراء انعدام الأمن في المحافظتين. لكنه قال إنه على الرغم من كل هذه العراقيل فإن البرنامج كان يوصل المعونات لمليوني شخص شهرياً، لافتاً إلى أنه في أيلول وتشرين الأول الماضيين، كثف برنامج الغذاء معوناته وأوصلها إلى ٢.٥ مليون نسمة على امتداد اليمن، كل شهر.
وأعلن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون توزيع المعونات الإنسانية، ستيفان أوبراين أن الإعصار الذي يضرب اليمن من شأنه أن يزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية كثيراً، ولا سيما في السواحل عند محافظتي شبوة وحضرموت اللتين تؤويان ١،٨ مليون نسمة بينهم ١،٤ مليون يحتاجون إلى المساعدة حالياً.




الأميركيان ليسا من موظفي الأمم المتحدة

أكد الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك لـ«الأخبار» أن الأميركيين المحتجزين في صنعاء والمتهمين بأنهما من رجال المخابرات الأميركية (راجع عدد السبت) ليسا من موظفي الأمم المتحدة، لكنهما يعملان لدى الشركة التي تتولى صيانة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (فندق شيراتون سابقاً الذي كانت تستخدمه السفارة الأميركية كمقر لها قبل مغادرتها صنعاء). وكشف دوجاريك أن المساعي تجري من أجل الإفراج عنهما من دون ذكر تفاصيل.