تحوّلت سوريا مغناطيساً لجهاديي العالم. ومنذ بدء الأزمة، بدأت الهجرة إلى القِبلة الجديدة. «أرض الجهاد» هذه من منظورهم ستشهد «تحقق وعدٍ إلهي». إذ يعتقد هؤلاء أنهم المقصودون في كتاب القرآن بأولئك «الظاهرين على الحق الذين يقاتلون في أكناف بيت المقدس». ويستندون إلى أحاديث شريفة وقُدسية ذات دلالات غيبية، ليخلصوا إلى أنهم يخوضون «معركة فاصلة في بلاد الشام تسبق تحقق الوعد الإلهي القائل بإقامة دولة الإسلام». وفوق ذلك، يؤمن هؤلاء بأنهم «منصورون»، و«النظام في سوريا ساقطٌ لا محالة».


لقد جعلت نقطة الاستقطاب هذه من أرض الشام موطئ قدمٍ للجهاديين القادمين من بقاع الأرض تلبية لـ«نداء الجهاد». إزاء ذلك، انفلش دور الجهاديين في الميدان السوري.
وفي هذا السياق، تفيد مصادر جهادية لـ«الأخبار» بأن المقاتلين الأجانب يضمّون لبنانيين وأردنيين وعراقيين وفلسطينيين وكويتيين وتونسيين وليبيين وسعوديين ويمنيين. وتكشف عن «مقاتلين إسلاميين قدموا من أفغانستان وباكستان للمشاركة في الجهاد»، لافتةً إلى أن «أكبر وحدات الغرباء القتالية تتألف من مقاتلين لبنانيين وأردنيين وعراقيين وفلسطيينين»، سبق أن شاركوا في القتال ضد الولايات المتحدة في العراق. هكذا تدور سوريا في الفلك الجهادي. كما يؤلف هؤلاء مجموعات تقاتل تحت راية واحدة، لكن بأكثر من رأس. فهناك إلى «كتائب عبد الله عزّام» و«جبهة النصرة لبلاد الشام»، تبرز «مجموعة دوما المقاتلة». تتشارك هذه المجموعات الثلاث في الفكر التكفيري. فتستلهم رؤياها من كتاب «عودة رجال صلاح الدين»، القائل باستحالة دخول القدس من دون تطهير ما حولها. كتاب يناهز الـ 200 صفحة يحكي عن تجربة القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي ومنهجه في إصلاح الأمة من وجهة نظرٍ متشددة، محاولاً إسقاطها على الواقع الحالي. يعتبر مريدو هذا النهج أن «الواجب الجهادي لتحرير بيت المقدس يُحتّم إزالة النفوذ الباطني في بلاد الشام»، أي «طرد أو إبادة النُصيريين والروافض الذين يشكّلون حرس الحدود للإسرائيليين». ويعتقد المؤمنون بهذا الكتاب أنهم أولئك الذين «استُضعفوا في الأرض قبل أن يحين إذن الله لحكمهم». تمتاز هذه المجموعات بالخبرة القتالية التي تتفوّق بها على باقي المجموعات. وتكشف المعلومات الواردة من الداخل السوري أن هؤلاء يتهيأون لـ«المعركة الكبرى»، مؤكدةً أنها معركة سرية لم تكن تعلم بها مجموعات الثورة الليبرالية، لولا رصدها مجموعات إسلامية تدفن كميات كبيرة من السلاح من دون مبرر. وتفيد المعلومات التي تنقلها مجموعات تقاتل بمعظمها تحت لواء «الجيش السوري الحر» بأنّهم على يقين من أن «السلاح المدفون سوف يُستخدم بعد إسقاط النظام لمواجهتها»، كاشفةً عن سيناريو موضوع سلفاً يخطط لمحاربة المجموعات التي لا توافقها في الفكر للقضاء عليها.




وفي هذا السياق، يروي أحد مقاتلي «الجيش السوري الحر» لـ«الأخبار»، أن العناصر التابعين لهذا الجيش كانوا يتهكّمون على مجموعات مسلّحة متشددة، أُطلق عليها تسمية «جيش أبو الطماير»، كان أفرادها يدفنون السلاح في النصف الأول من الثورة. لم يكن يعلم هؤلاء الغاية من ذلك، لكن بمرور الأيام تكشّفت حقائق توجب قرع جرس الإنذار.
في موازاة المجموعات الثلاث الأكثر تشدداً، يبرز «لواء الأمة» كفصيلٍ جهادي. وُلِد على أيدي جهاديين ليبيين، مستمداً فكره من الفتوى القائلة بالجهاد في سبيل الله حتى تحرير سوريا والقضاء على الطاغوت وعصابته كـ«فرض عين» يتحتم على كل مسلم. قدمت نواته الأولى من ليبيا لـ«الوقوف إلى جانب الشعب السوري حتى تحقيق النصر وإقامة حكم إسلامي راشد». يستند هؤلاء إلى قواعد ثلاث: الالتزام بأحكام القتال في الإسلام فلا قتال مع غير العدو (فلا عدوان إلا على الظالمين)، ولا يَتحمل أحدٌ وزر أحد (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ولا يُتعرض لمال ولا متاع (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).
أما قياديو هذا اللواء، فهما القياديان البارزان في الثورة الليبية اللذان قاتلا تحت راية «لواء طرابلس»، الشيخ المهدي الحاراثي والشيخ عبد الحكيم المشرى. والحاراثي هو إمام مسجد النور ومؤسس مدرسة النور لتحفيظ القرآن في إيرلندا، ومؤسس مكتب الدعوة في دبلن. وهو أحد المشاركين في أسطول الحرية لغزة عام 2010، علماً بأنه سبق أن سُجن في معتقل بئر السبع في تل أبيب.
وهناك «لواء صقور الشام»، ينتشر مقاتلوه في محافظة إدلب وريف دمشق واللاذقية وريف حماه، وتحديداً في جبل الزاوية وخان شيخون ومنطقة أريحا وريف المعرة الشرقي والغربي وسراقب وإدلب المدينة وسرمين. يتردد أن عدد سرايا هذا اللواء يزيد على 50 سرية مقاتلة. يتولى قيادة هذه المجموعات السوري أحمد الشيخ المعروف بـ«أبو عيسى»، وهو من قرية «سرجة»، ويعدّ المحرك الأساسي والمرجعية الأولى. أما الكتائب التابعة له فهي: كتيبة محمد الخلف، وكتيبة داوود التي يقودها حسان العبود، وكتيبة أنصار الحق التي يقودها رشيد أبو عبدو، وكتيبة ذي قار التي يقودها عبد العزيز بن وسام، وكتيبة المهاجرين والأنصار التي يعرف قائدها بـ«أبو مصعب». وهناك كتيبة الخنساء يقودها «أبو شيماء». وأخيراً، كتيبة الشهيد محمد العبدالله التي يتولى قيادتها نضال الحج علي. وبين لواءي الأمة وصقور الشام، تبرز «كتيبة الأنصار» التي أنشأها «أبو علي الأنصاري»، أحد مقاتلي فتح الإسلام الذي «فرّ من السجن ليقاتل في حمص حيث استُشهد». ويعتبر هؤلاء أنهم المعنيّون بحديث النبي محمد القائل بأن «الله تكفل لي بالشام وأهله»، ثم قال «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون لا يضرّهم من خذلهم»، قاصدين كغيرهم أن بقعة القتال المقصودة هنا هي سوريا. ويعتقد هؤلاء بأن النصر آتٍ مذ رفع الثوّار شعار «ما لنا غيرك يا الله»، باعتبار أن «المدد بدأ حينها بإذن الله الذي أوجب الجهاد في سبيله». وهناك «كتيبة الشيخ حجاج العجمي». وينتشر مقاتلو هذه المجموعة في ريف البوكمال، علماً بأن بعض مقاتليها قدموا من ليبيا أيضاً. وفي هذا السياق، يُنقل عن أحد مشايخ السلفية الجهادية الموجود في سوريا قوله، نقلاً عن أحد الرواة التابعين: «تكون فتنة بالشام، كان أولها لعب الصبيان، ثم لا يستقيم أمر الناس على شيء، ولا تكون لهم جماعة حتى ينادي منادٍ من السماء». يستند هؤلاء إلى هذا الحديث للقول إن ما يجري في سوريا من احداث نفس الفتنة المذكورة في هذا الحديث. إضافة إلى ما سبق، يبرز اسم الشيخ أبو المنذر الشنقيطي (موريتاني الجنسية) الناشط الأبرز في الدعوة للمنظمة الجهادية السورية المعروفة باسم «جبهة النصرة لأهل الشام». ويُقدّر عدد المجموعات الجهادية المقاتلة في حمص بـ 23 مجموعة. تأتمر جميعها بإمرة «المجلس العسكري لمدينة حمص» الذي يضم: مجلس الشورى/ المجلس العسكري/ المجلس المدني.



يتألف مجلس الشورى من خمسة علماء دين يُطلق عليهم تسمية مشايخ. يُعدّ المسؤول الأول والأخير عن الفتاوى الشرعية وتنظيم الأمور الحياتية، علماً بأنه أعلى سلطة في حمص. إذ إنه يقرر الحرب والسلم، فضلاً عن توليه تأمين الدعم المادي للمقاتلين في مدينة حمص. أما المجلس العسكري، فيضم 16 قيادياً مهمتهم حماية مدينة حمص. وتتوزع مهماتهم بين الاستطلاع وتأمين الذخيرة وتوزيع المقاتلين على الخطوط الأمامية واستقبال المتطوعين الجدد وإيواء العناصر المنشقة، فضلاً عن تولّي استقبال المقاتلين العرب في صفوف الثورة. أما في ما يتعلق بـ«المجلس المدني»، فيعتبر المسؤول عن تأمين الطعام والدواء والمأوى للمدنيين والمقاتلين على حد سواء. يضم ثلاثين عضواً، يطلق عليهم الثوار تسمية «الخال»، فيما ينادى قائدهم بـ«الجد».
وتبرز بين المجموعات المقاتلة الموجودة في حمص «كتيبة الفاروق» التي تُعدّ الأشهر إعلامياً. تتبع لها 16 مجموعة تسمى سرايا الفاروق. يرأسها القائد العام الذي يُنتخب من بين الأعضاء الخمسة الذين يشكلون مجلس الشورى. يُعرف باسم الحجّي، في حين أن لقبه «أبو سفيان».
وتبرز بين هذه السرايا المقاتلة في حمص كل من سرية العبادلة، وسرية عمر بن الخطاب، وسرية المجاهدين، وسرية الأحرار وسرية حرائر حمص. وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة المجاهدين الأكثر سرية بين المجموعات، وتتألف من ٥٣ مقاتلاً متمرّساً يقودهم رجلٌ يُدعى عبد اللطيف، علماً بأن جميعهم شاركوا في القتال في العراق ضد الغزو الأميركي.
في موازاة كتيبة الفاروق، تبرز كتيبة خالد بن الوليد التي تتبنى فكر حركة الإخوان المسلمين. لا توجد معلومات مفصلة عن هيكليتها، إلا أنها تضم عدداً أقل من الثوار، بعضهم عرب، وبالتحديد ليبيون وتونسيون. ثقلها الأكبر في مدينة الرستن، ويتولى قيادتها النقيب المنشق همام الديك. ويصل تعدادها إلى قرابة 1200 مقاتل، علماً بأنها تنشط أيضاً في مناطق السلمية وحمص والقصير وتلكلخ.
أما المجموعات الخمس الباقية، فليست ذات تأثير كبير.
على الضفة المقابلة، وُلد خلال المعارك الجارية في حلب تنظيم جديد جمع عدداً من الكتائب المقاتلة تحت لوائه سُمّي «تجمّع كتائب شهداء سوريا» الذي يقوده جمال معروف، الذي كان يرأس «كتيبة شهداء جبل الزاوية». وينشط هذا التجمع القتالي في كل من حلب وإدلب وريف إدلب وحماه وريف حماه ودير الزور والرقة.




«الحر» ينفي وجود دور لـ«القاعدة»

يرفض قياديون في «الجيش السوري الحر»، وفي مقدمهم رياض الأسعد (الصورة)، التسليم بوجود مجموعات جهادية تقاتل تحت راية «تنظيم القاعدة» في المعارك الدائرة في حلب ومحيطها. ولدى مواجهتهم بالدلائل التي وثّقتها وسائل إعلامية عربية وغربية وروايات شهود عيان، يردّ هؤلاء بأن «عدد المقاتلين الجهاديين لا يتجاوزون بضع مئات». ليس هذا فحسب، بل يذهبون إلى القول إنه «لا دور فعلياً للمقاتلين الأجانب الذين لا يعرفون الأرض»، ولا سيما أن أحدهم يكشف أن «حلب وحدها تضم أعداداً هائلة من المقاتلين تتجاوز الـ 20 ألف مقاتل».
وفي ما يتعلق بنوعية السلاح الذي بات في حوزة مقاتلي المعارضة السورية، يؤكد أحد القياديين المعارضين أنهم استولوا على مضادّات للطائرات، مشيراً إلى أنهم غنموا دبابات ومدرعات من نوع شيلكا من الجيش السوري النظامي. وحول حقيقة امتلاكهم صواريخ مضادة للطائرات من نوع سام 7 وغيرها، يرد القيادي المذكور بأن لا حقيقة لها، زاعماً أن «تلك شائعات يبثّها النظام للحصول على ذريعة قصفنا بطائرات الميغ 23».