البارد | شهر رمضان، الجيش اللبناني، عكار، مخيم نهر البارد. مشهد تتداخل مفرداته، تتشابك وتتنافر في مربع لا تتعدى أضلاعه عشرات الأمتار. يشتد التنافر في مركز المربع عند النصب التذكاري لشهداء الجيش الذي رفع بعيد انتهاء المعارك بين الجيش وفتح الإسلام في المخيم.

قبل النصب باتجاه عكار، يحاول الجيش استعادة هيبة مهتزة. هناك يعيش الناس حرية تلامس الفوضى نتيجة «انتفاضة» على الجيش، قوامها تضامن مع الشعب السوري، انحرف مستواه ليأخذ أبعاداً، أُخضعت ــ أو تكاد ــ تحركاته لإملاءات الطائفة والمذهب. وبالاتجاه المعاكس يؤكد الجيش في المخيم هيبة مستباحة في الأمكنة الأخرى.
قبل النصب باتجاه عكار تعجّ الدكاكين بالزبائن، يستهلكون في شهر رمضان ما لا يفعلونه على مدار عام كامل. وبالمقابل، يبدو الشارع الرئيسي في المخيم الجديد مدينة أشباح. قسم من المحال التجارية لا يزال مقفلاً، والقسم الآخر يظهر أمام كل دكان صاحبه مستلقياً على كرسيِّه بين النوم واليقظة.
على مدخل المخيم، يقول لي الجندي على الحاجز الأول: «شكلك معصب». أجيبه: «بالعكس تماماً، لكن أشعة الشمس الآتية من صوبك جعلتني أقطب وجهي لا أكثر». ثم يدردش الجندي قليلاً بانتظار حلول دوري للتقدم نحو حاجز التفتيش التالي، فيقول ممازحاً: «نظراتك مبينة مش قانونية»، قلت له: «بالعكس تماماً»، وأحسب بعض الصدق في ذلك؛ لأن الأشهر القليلة الماضية دفعت ابن الشمال إلى تحسس مخاطر جنون الشارع والتراجع المرعب لحضور الدولة. هكذا بعد التدقيق بالنظرات، يأذن الجندي بالتوجه نحو حاجز التفتيش. ومثل العادة، المطلوب إبراز الهوية ودفتر السيارة، ثم فتح الصندوق، وفتح أي شيء في داخله، كيساً كان أو محفظة، أو أي وعاء مقفل.
إلى محالّ القناعة. اسم على مسمى. قبل تدمير المخيم، كانت قيمة البضاعة في المتجر الذي يملكه عبد المجيد أسمر وأشقاؤه تبلغ ثلاثمئة ألف دولار وأكثر. أما لدى العودة، فالبضاعة لا تتعدى قيمتها تسعة آلاف دولار. ممدداً على كرسيه، قفز عبد المجيد لدى توقف السيارة وركنها إلى جانب المحل. حدث نفسه: «جاءت الرزقة»، تبدد الأمل، فالزيارة للسؤال عن أحوال البيع والتجارة. وكمن تعب من كثرة كلام لا يغني ولا يُسمن، أشار عبد المجيد إلى لوحة علّقها في صدر المحل، عليها صور متسلسلة، تحتوي أولاها منظر محله عندما كان مليئاً بالبضاعة ويعج بالزبائن، ثم منظر كامل البناء بعد أن تحول إلى ركام، يليه مشهد الجرافات تنظف المكان، إلا من بقايا بضاعة، ولو محترقة (سرقت قبل أن يدمر البناء)، وانتهاءً ببناء جديد لا يشبه سابقه.
يترك عماد عبد العال استوديو التصوير الذي يملكه، ويأتي ليشارك في المقابلة. الشغل واحد بالمية، و«نحن نعيش في غوانتانامو لبنان»، فأي زبون سيتجاوز المعابر والدشم والحواجز لكي يتسوق في المخيم المصون بالأسلاك الشائكة؟ المخيم من الناحية العملية «أوتيل» ينام فيه سكانه، ويذهبون للعمل خارجه.
في منتصف تموز الماضي، أُلغي نظام التصاريح إثر إشكالات حدثت بين الجيش اللبناني وسكان المخيم. وتبع إلغاء التصاريح خطوات أخرى باتجاه تخفيف المعاناة الفلسطينية. لكن تلك الخطوات، قياساً إلى الوضع الذي ساد المخيم مدة خمس سنوات، لا تبدد القلق؛ فتاجر مواد البناء قاسم كنعان، لا يزال يحتفظ بتصريحه؛ فـ«أخشى أن يطلبوه من جديد. وبالأصل ـــ يضيف كنعان ـــ كل شيء يشير إلى أنه مطلوب إشغال أبناء المخيم بهمومهم اليومية، ولا يوجد من يحسب لوجودنا حساباً». تاجر مواد البناء يبيع من وقت إلى آخر «دنبر بودرة» أو طن ترابة، أما المواد اللازمة لإعادة إعمار المخيم فتتوافر عبر شركات كبرى. وعلى سيرة الشركات الكبرى، ينتفض كنعان متذكراً يوم كان لديه شاحنات توزع مواد البناء إلى كل جوار المخيم، وصولاً حتى الحدود السورية، ويستطرد بالقول إن الشركات التي تلتزم توفير المواد للطرقات العامة وغيرها، غنمت على حساب المخيم، من خلال تنصلها من دفع الديون، لأنه علاوة على سرقة البضاعة وتخريب الشاحنات، فقد أتلفت الدفاتر والإيصالات، وقلة قليلة من المدينين التزموا الوفاء بالمستحقات المستحقة عليهم.
مخيم البارد لا يحتوي سوقاً تجارياً عادياً. فالقطاع التجاري في المخيم يضم ألفاً وأربعمئة وخمسين تاجراً، يتوزعون على ثلاث فئات. فئة كبار التجار الذين تفوق رساميلهم خمسين ألف دولار، وقد تصل إلى قرابة مليون دولار. وفئة الوسط الذين تراوح رساميلهم بين عشرة آلاف وخمسين ألف دولار. ودونهم فئة صغار التجار. يقول عضو لجنة تجار نهر البارد أحمد ناصر، إن المخيم لم يكن مركزاً تجارياً لشمال لبنان فحسب، بل كان أيضاً على مستوى لبنان كله. وخلال لحظات ـــ يضيف ناصر ـــ اختفى كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن. لا لجنة تحقيق ولا من يحزنون، ضاعت المسؤوليات بين الدولة اللبنانية والأونروا واللجان والدول المانحة. والهبات التي تسلمها كامل القطاع التجاري بلغت مليوناً ومئتي ألف دولار. وإذا كانت معظم الديون المستحقة لمصلحة تجار المخيم، أصبحت ديوناً هالكة، فإن المستحقات المترتبة عليهم للشركات ظلت مستمرة. والأسوأ من ذلك، يصف ناصر حادثة خاصة به، بقوله إن محضر مخالفة بناء حُرّر بحقه قبيل تدمير المخيم بقيمة مليون ونصف مليون ليرة، اضطر إلى دفعه بعد «الحرب»، رغم أنه قدم إفادة من المختار مع صور تثبت أن البناء مدمر بالكامل.
لا يأمل عضو لجنة التجار استعادة زخم السوق التجاري في المخيم، فخمس سنوات من غياب سوق البارد كانت كافية لإيجاد بدائل لدى الزبائن، وخصوصاً في عكار التي شهدت أسواقها المحلية توسعاً مذهلاً في الآونة الأخيرة. وإلى ذلك، ثمة عامل نفسي، هو اليأس والخوف السائدان في عقل التاجر الفلسطيني الذي إن لم يعرف الأسباب الحقيقية التي تقف خلف ما جرى في المخيم، فهو يدرك أن النتيجة كانت إضعاف الوجود الفلسطيني وإضعاف موقع البارد الاقتصادي. فهل تكون النتيجة هي الهدف؟
وعلى أوتوستراد المنية ـــ العبدة، لا يأمل شحادة الخطيب، صاحب إحدى المؤسسات التجارية الكبرى، الفوز بثمرة عيد رمضان التجارية، رغم التفاؤل بالخير نتيجة تخفيف الإجراءات العسكرية. وهو إذ يؤكد خضوع المخيم للقوانين اللبنانية، لكنه انطلاقاً من كون البارد يقع ضمن الأراضي اللبنانية، لماذا الإصرار على تعريض سوق المخيم لإجراءات غير مطبقة في سائر المناطق اللبنانية. فهل ينبغي لمن يدخل سوقاً آخر إبراز بطاقته وتفتيش سيارته؟ وكيف تكون المعاملة بالمثل إذا كانت السيارات المخالفة والدراجات النارية غير القانونية تصول وتجول في عكار وغيرها، بينما توقَف على مدخل المخيم؟




كان سوق مخيم البارد ملجأً لفقراء عكار، يأتون إليه للتزود بحاجاتهم «من البابوج إلى الطربوش». وكان لا بد أن يعلق في ذهن عابر المخيم شعار تقدمي ووطني. أقفل المخيم على نفسه بمحاصرة شريانه الحيوي. وبعد طول غياب لأي شعار فلسطيني، كان بائساً منظر لافتة خرج بها أبناء المخيم إلى أوتوستراد العبدة ـــ المنية باسم منتدى مخيمي البارد والبداوي الحواري لتهنئة «أهلنا في مخيم نهر البارد والجوار بإلغاء نظام التصاريح رسمياً في المخيم» ويدعون فيها «أهلنا في الجوار اللبناني إلى زيارة محال المخيم التجارية في هذا الشهر الفضيل».