الجولان المحتل | قناص يصطاد على المصيدة أشياء تشبه الأجساد. تطلق آهات وتُكبّر. يسقط شيء شهيداً، شيء لم يكن مسلحاً. صدى وشوشة متسلط يملك الدعاية والمال، قال: من هنا فلسطين، ومن هنا الجولان. ومنذ 45 عاماً لم يقل كذلك. شيء يؤمن بالحرية، وأحياناً يملك راية ترمز إلى كل أولئك الذين سقطوا منذ عقود. أراد أن يتناول الشيء وجبة الغداء، وكأنه يأكل مثلنا، كأنه إنسان، لكن لربما هذا الشيء ليس إنساناً، أو لربما أنا لست بإنسان.


لربما كنت في حلم، أو أشاهد أفلاماً تتجاوز آفاق خيالي. سألت الشيء فأجابني بأنه فيلم من صناعة اللحظة، وعندما سألته عما يستغل اللحظة، سقطت دمعة من وجدانه. تأوه، ثم صرخت ذاكرته من شعارات كانت، وحدق مرتين، مرة باتجاه القناصين المشرفين على المصيدة، وأخرى إلى حيث تخمنون الآن.
أراد أن يتناول وجبة الغداء. بحث عن مفتاح ليفتح معلبات الطغاة والساديين، وبحث عن سكين مطبخ، فوجد حجرين. تناول طعامه مغمساً بالظلم والدم.
أما أنا فبكيت، ومن ثم بكيت.
ركب الشيء تابوتاً. زغردت حارات المكان، وتملق فرسان الأخبار، ووضعوا مالاً في صندوق يملأه الحرام، ويتكدس به بدل أسماء رحلت. أحقاً رحلت؟
ركب تابوتاً، وحين وصل عائداً إلى حيث انطلق ورفاقه باكراً لم يجد الوجوه التي استأجرت لهم الحافلات، وما رآها حين وقف على المصيدة. كانوا يلهون في مدينة قريبة من المخيم. نظرت إليه مرة أخرى، فقال: إنهم ماتوا في ضميرنا وفي التاريخ.
التفت إلى عيون أمهات رفاقه فعرف أن رفاقه يلازمونه اللحظة كما لازموه باكراً. عرف أنه ورفاقه يكتبون بدمائهم الفصل الأخير من كذبة اللاحرب واللاسلم. عرف أنهم رموا سهام الكرامة نحو مصالح هذا النظام وتلك السلطة.
كنت أشاهده حينها، وحين سقط رأيته. وتراهنّا أنا وصديقي إن كان قد مات أو لم يمت. قلت لصديقي إنه مات. أجاب لم يمت. ألم ترَ أن سقوطه كان كما دمية تسقط بشكل عبثي دون قرار بسقوطها؟ قال صديقي إنهم يرمون بأجسادهم حتى لا يصطادهم ذاك الطاغية الذي كان يقف أمامنا. عمّ المكان صمت، وكسرت ذلك الصمتَ كلمات تعودنا منذ الصباح سماعها حين يسقط الشيء ويوضع على حمالة لونها برتقالي، ومن بعدها يركب التابوت ويرحل.
عُلّق حبل في السماء. لا أدري إن رُبط بغيمة... اصطففنا نشاهد الفيلم. تسمّرت أعيننا بالأشياء التي تحوم عند الخندق ومشاعرنا انتحرت بحبل السماء. كنا نموت عندما ينده طفل، لست واثقاً من أنه طفل... الأطفال لا يقنصون. لربما أقول: كنا نموت عندما ينده الشيء من عند المصيدة، صوته يشبه صوت الأطفال، ودمه أحمر كما كان لون دمنا.
* التي صنعها الاحتلال على مشارف مجدل شمس لصيد الفلسطينيين