لم يرصد لإيران في العالم العربي، بعد سوريا، صديق أكثر قرباً من نظام عمر البشير. كان السودان حتى وقت متأخّر شريكاً غير معلن في «محور الممانعة»، تثير علاقاته الاستراتيجية بإيران حنق كل من السعودية وإسرائيل على السواء. كثيراً ما اتهمت تل أبيب الخرطوم بنقل أسلحة إيرانية إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتوّجت اتهاماتها بالغارة الشهيرة على مجمع اليرموك للصناعات العسكرية في العاصمة السودانية عام 2012.


يربط البعض بين هذا الهجوم وواحدة من الوثائق السعودية التي كشفتها «ويكيليكس» في حزيران الماضي. في البرقية المذيّلة بعبارة «سرّي جداً» يخطر دبلوماسيون سعوديون سفارة بلادهم في السودان بمزاعم عن وصول معدات نووية إلى مطار الخرطوم، بينها أجهزة طرد مركزي، مصدرها إيران.
المحطة الأبرز زمن التباعد السوداني ــ السعودي، كانت في آب عام 2013، حين اعترضت الرياض طائرة الرئيس المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف، وهي في طريقها إلى طهران. إهانة لم تمنع عمر البشير، بعد قرابة سنة، من إرسال أولى إشارات الانفضاض عن طهران، وتلقّف مغريات خصم البارحة، طمعاً بدعم اقتصادي يعيد ترتيب البيت الداخلي للبلد الفقير والخارج من الحرب ومخاض انفصال الجنوب.


ترتقب القوات الموالية للرياض وصول دفعات جديدة من القوات السودانية للالتحاق بمعركة تعز

أحكم البشير التصويب على هدف يقنع النظام السعودي بصدق «توبته». في أيلول عام 2014، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية إغلاق المركز الثقافي الإيراني بحجة أنه «أصبح مهدداً للأمن الفكري والاجتماعي في السودان». هذا العزف على وتر «نشر التشيّع» عبّد طريق البشير إلى قصور جدة والرياض. بالتزامن مع الإعلان عن إقفال المركز الإيراني، حطّت طائرة الرئيس السوداني في مطار جدّة، في زيارة هدفها المعلن أداء مناسك الحج. من المدينة المنورة أطلق البشير، في مقابلة مع صحيفة «الشرق الأوسط»، مواقف دشّنت شبه قطيعة مع إيران، مقابل استدارة نحو المحور السعودي.
لم يكتف الرجل وقتها بإسداله الستار على حالة الفتور في علاقة الخرطوم بالرياض على خلفيّة تقارب الأولى مع طهران ورواسب دعم السودان لبغداد إبّان حرب الخليج، بل ذهب البشير بعيداً لدى إجابته عن سؤال الصحيفة السعودية إذا ما كان إغلاق المركز الإيراني من باب التقيّة السياسيّة والتمويه بالقول «الحقيقة أننا ضدّ التشيّع تماماً».
رأى عمر البشير في الحرب السعودية على اليمن فرصة سانحة لإثبات ولائه للرياض، وبالتالي استدرار ما ينتظره من رفع لحجم استثمارات الأخيرة في بلاده. إثبات سيحتاج إليه البشير، كما ستظهر وثيقة تداولتها وسائل إعلام سودانية تكشف ارتياب الرياض من نيات النظام السوداني. في نص الوثيقة السرية الموقّعة بخط رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان، بعد أيام على انطلاق عملية «عاصفة الحزم»، والحاملة عنوان: «السودان وعاصفة الحزم»، يخاطب الحميدان جهة لم يسمّها بالقول: «وكان السودان لفترات طويلة حليفاً قوياً لإيران في المنطقة، ومهدّداً لأمن المملكة العربية السعودية وللمنطقة العربية بأسرها بهذا التحالف المشبوه، وقد تم رصد مساعدات عسكرية كبيرة للحوثيين، قدمت لهم من قبل إيران، وقامت حكومة البشير بإيصالها عبر جيبوتي... واتضح بعد مراجعة الكثير من التقارير الاستخباراتية أن (عمر) البشير شخصيّة لا يمكن الاعتماد عليها، وأنه يودّ الإمساك بكل أوراق اللعبة في يديه، من إعلان تحالفه مع المملكة العربية السعودية على الملأ والاحتفاظ بعلاقات سريّة مع إيران من جهة أخرى». ويخلص تقرير المخابرات السعودية إلى التوصيات الآتية: «توصي اللجنة العليا المكلفة بمتابعة ملف السودان ودوره في عاصفة الحزم، بتوخي الحذر البالغ في كشف أي أسرار حربية تتعلق بمخططات المملكة لمحاربة الحوثيين للجانب السوداني، كما توصي بمسايرة السودان واتخاذ سياسة النفس الطويل معه، ومراقبة قياداتهم العسكرية بالمملكة...».
بالتوازي مع إطلاق الحرب على اليمن، استدعى الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز الرئيس عمر البشير، وسحب منه موافقة الخرطوم على الانخراط في العمليات العسكرية. أياماً معدودة وأرسلت الرياض وزير الزراعة عبدالرحمن الفضلي إلى السودان، مغدقاً وعود توسيع التعاون بين البلدين، ورفع الاستثمارات السعودية في قطاع الزراعة السوداني. استثمارات توقعت حكومة الخرطوم أن تصل إلى قيمة 15 مليار دولار أميركي بحلول 2016.
ضمان استجرار البترودولار السعودي صوب حقول ضفاف النيل وفدادينها، في ظل التشكيك السعودي في نيات البشير، يلزمه تعدّي الإعلان المساير للرياض عن الانضمام إلى حرب اليمن ووضع طائرات سودانية غير فاعلة تحت تصرف السعوديين وإغراءات وزير دفاع الخرطوم للمملكة بالحديث عن موقع بلاده الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، نحو مشاركة قوات برية في العمليات الحربية.
منتصف تشرين الأول وصلت إلى ميناء عدن، جنوبي اليمن، كتيبة مقاتلة من الجيش السوداني عبر البحر الأحمر، قدرت بـ300 ضابط وجندي. خطوة علّقت طهران عليها على لسان مساعد وزير خارجيتها، حسين أمير عبداللهيان، باعتبارها «لن تجدي نفعاً». رغم دبلوماسية التصريح، اختارت الخرطوم أن تخلق سجالاً مع الإيرانيين عبر الرد على كلام عبداللهيان، فوصف وزير خارجيتها إبراهيم غندور موقف بلاده بأنه يأتي ضمن «موقف عربي موحد ساندته الجامعة العربية، وبعد أن شعرنا بخطورة الوضع من استيلاء الميليشيات على السلطة الشرعية».
البشير هو الآخر تصدّى للدفاع عن مشاركة السودان، مانحاً موقف بلاده من الحرب صفات «ثابت ومبدئي ووفي لالتزامات أخلاقية»، ومؤكّداً ــ أثناء تخريج دفعة جديدة من القوّات المسلّحة الأسبوع الماضي ــ أنه «ما كان للسودان أن يقف موقفاً سلبياً تجاه قضايا أمته العربية».
وتفيد المعلومات أن المطلوب من السودان، سعودياً، لا يقتصر على تعزيز الوضع في عدن بعد أن قويت شوكة تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في المدينة. القوات الموالية للرياض على الأرض ترتقب وصول دفعات جديدة من القوات السودانية للالتحاق بمعركة تعز. معركة يجري الحديث عن توسيعها، في موازاة حديث سياسي عن عدم وثوق الإمارات بالرئيس عمر البشير ذي الأصول الإسلامية. ما بين الإماراتيين والبشير أكثر من عدم وثوق؛ فصاحب الجذور الإخوانية سيتخذ من مساحة تمركز حزب «الإصلاح»، أي محافظة تعز، مساحة لعمل قواته. أمر يصطدم بأجندة أبوظبي لإقصاء الإسلاميين، وهو ما ترجم حالة توتر بين القوات الإماراتية المتمركزة في عدن والجنود السودانيين الواصلين حديثاً، وفق بعض الأنباء.
نجح البشير، عبر إرساله قوات إلى اليمن، في إحراج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. تجديده التداول في ملف مثلث حلايب الحدودي الخلافي مع القاهرة، في هذا التوقيت، وطلبه وساطة الرياض، يقولان للنظام السعودي إنه أولى بـ«الرز» من جاره الذي لم يبع السعودية سوى الكلام. لكن ربما لم يكن في متوقع الزعيم السوداني أن أموال الخليجيّين لن تبقى «زي الرز» عن قريب، وفق أرقام صندوق النقد الدولي. المفارقة أن وزير البترول، في الدولة التي يطمع بخزائنها عمر البشير، علي النعيمي، يبشّر مواطنيه برفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية. يذكر البشير تماماً ماذا يعني قرار مماثل، وهو الذي قتل جنوده المواطنين السودانيين في الشوارع وهم يحتجّون على تخفيض الحكومة دعم المحروقات عام 2013، فيما عرف «بانتفاضة سبتمبر».




توقيع أربعة اتفاقات اقتصادية بين الرياض والخرطوم

بحث الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز أمس، في الرياض، مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير والوفد المرافق، العلاقات الثنائية وأوجه التعاون بين البلدين في المجالات كافة، وسبل تطويرها وتعزيزها، إضافة إلى بحث مستجدات الأوضاع في المنطقة.
وعقب جلسة المباحثات، وقّعت أربع اتفاقيات بين الحكومة السعودية والسودانية في حضور سلمان والبشير.
وشملت الاتفاقية الأولى مشروع اتفاق إطاري بشأن المشروع الطارئ لمعالجة العجز الكهربائي، محطة كهرباء البحر الأحمر 1000 ميغاواط مع الخط الناقل، فيما شملت الاتفاقية الثانية مشروع اتفاق إطاري بشأن الإسهام في خطة إزالة العطش في الريف السوداني وسقيا الماء للفترة من 2015 إلى 2020، والاتفاقية الثالثة مشروع اتفاق إطاري بشأن تمويل مشروعات سدود (كجبار والشُريك ودال). ووقع الاتفاقيات الثلاث التي جرت بين وزارة المالية، وزير المالية إبراهيم بن عبدالعزيز العساف، وعن الجانب السوداني وزير المالية والتخطيط الاقتصادي بدر الدين محمود عباس.
أما الاتفاقية الرابعة فتتعلق بالشراكة في الاستثمار الزراعي بين وزارة الزراعة السعودية ووزارة الموارد المائية والكهرباء في السودان، في مشروع أعالي عطبرة الزراعي، ووقّعها وزير الزراعة عبدالرحمن الفضلي ووزير الموارد المائية والكهرباء السوداني معتز موسى سالم.
(الأخبار)