بعد أكثر من عقد على تحقيق حلمه في إسقاط نظام صدام حسين، لم يمارس رئيس حزب «المؤتمر الوطني العراقي» أحمد الجلبي أي سلطة سياسية كان يسعى إليها، وكل ما حمله معه بعد إعلان وفاته، أمس، هو أنه «تحوّل إلى تجسيد لكل ما حصل في العراق من خطأ منذ الاجتياح»، كما كان قد كتب عنه ديكستر فيلكينس في مجلة «نيويورك تايمز» بعد مقابلته، عام 2006.


اللافت أنه أثار في موته جلبة توازي تلك التي ميّزت حياته. فقد أجمعت أطراف عراقية عديدة على أن الوفاة حصلت في ظروف مشبوهة وأن الحجة الرسمية التي أعلن عنها، وهي ذبحة قلبية، غير مقنعة، لكون الجلبي كان يتبع نظاماً غذائياً صحياً ويخضع لفحوصات دورية ويمارس الرياضة ثلاث ساعات في اليوم. الفرضية الأكثر رواجاً بين هذه الفئات نظرية تسميم الجلبي الذي توفي أثناء نومه، وهو ما دفع إلى اتخاذ إجراءات لتشريح جثته. ومع ذلك، تؤكد جهات عراقية قريبة من الجلبي أنه «في هذا العالم (ويقصد عالم الاستخبارات) يمكن أن يكون السم قد وضع له منذ فترة وحقق مفعوله اليوم. بل يمكن أن يكون قد سمّم من دون القدرة على اكتشاف ذلك في التشريح».
عُدّ الجلبي، إضافة إلى رئيس حركة «الوفاق» العراقية إياد علاوي، أبرز شخصية دفعت الولايات المتحدة إلى الحرب على العراق. فهو الرجل الذي اعتمدت واشنطن على معلوماته لتبرير غزوها. «ربما يكون العراقي الأكثر تعاوناً مع الرئيس جورج بوش، في إطار اتخاذ القرار لاجتياح العراق وإسقاط صدام حسين»، كتبت «نيويورك تايمز»، أمس. هو ابن إحدى العائلات الثرية، غادر البلاد منتصف الخمسينيات، وقضى معظم حياته في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات.


عوّلت واشنطن على
الجلبي في أن يحكم العراق
بعد سقوط نظام صدام

الجلبي «وطّد علاقاته مع صحافيين من واشنطن ولندن، ومع مشرّعين أميركيين، وأيضاً مع المستشارين الذين ينتمون إلى تيار المحافظين الجدد، والذين ساعدوا في رسم سياسة بوش الخارجية»، أضافت «نيويورك تايمز»، مشيرة إلى أنه «أنشأ شبكة علاقات واسعة مع العراقيين في المنفى، وكان عدد كبير منهم يتقاضى المال مقابل معلومات استخبارية عن حكومة صدام حسين».
أيضاً ذكرت الصحيفة الأميركية أنه «أقام علاقات صداقة مع صقور الجمهوريين ــ منهم ديك تشيني، دوغلاس فايث، ويليام لوتي، ريتشارد بيرل وبول وولفوفيتز ــ الذين كانوا من الأساسيين في مسيرة الولايات المتحدة نحو الحرب، خصوصاً تشيني الذي كان نائباً للرئيس».
تتشعّب صلات الجلبي من ضمن الكونغرس، من خلال خيوط عدة، منها أنه أقنع المؤسسة التشريعية الأميركية عام 1998 «بتمرير قانون تحرير العراق، الذي وقّعه الرئيس بيل كلينتون، حينها، والذي أُعلن أنه السياسة الأميركية المتبعة لاستبدال حكومة صدام حسين بأخرى ديموقراطية». على مستوى العلاقة مع الاستخبارات، أشارت الصحيفة إلى «المؤتمر الوطني العراقي» الذي أسّسه الجلبي، عام 1992، والذي كان «يحصل على أكثر من 100 مليون دولار من السي آي إيه، وغيرها من الوكالات، منذ إنشائه حتى بداية الحرب».
لاحقت الجلبي شبهات بالفساد منذ الثمانينيات، أدانته بعدها محكمة أردنية باختلاس أموال من «بنك البتراء»، عام 1992، وهي قضية ادّعى أن وراءها دوافع سياسية.
في عام 1995، وفي الوقت الذي كان يتلقى فيه المال من الـ«سي آي إيه»، أثناء وجوده في مدينة أربيل، نسّق الجلبي إحدى الانتفاضات الكردية التي فشلت، وقتل على إثرها المئات من السكان، فيما تمكن هو من الفرار والعودة إلى الولايات المتحدة، ولم يعد إلا مع الغزو الذي قادته أميركا. في العام التالي، شارك في محاولة لـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام حسين، إلا أن المحاولة فشلت أيضاً، إضافة إلى مقتل حوالى 150 من عناصر «المؤتمر الوطني العراقي»، وتضرّر علاقته مع وكالة الاستخبارات الأميركية.
في عام 2001، عاد الجلبي مجدداً إلى الواجهة الأميركية، بعدما كشفت جردة حساب قامت بها وزارة الخارجية عن أن المنظمة التابعة له (أي المؤتمر الوطني) أساءت إنفاق 113.794 دولاراً، بما فيها 6.314 دولاراً مقابل تزيين مكاتبه.
الولايات المتحدة عوّلت على الجلبي وعلى «المؤتمر الوطني العراقي» في أن يحكم العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، إلا أن ذلك لم يحدث، فضلاً عن أن الغزو جرّ الإدارة الأميركية إلى مستنقع استمر تسع سنوات. وبعد عام على الاجتياح، تحديداً في أيار 2004، توقف الأميركيون عن منح «المؤتمر الوطني العراقي» 335 ألف دولار شهرياً. وبعد أيام على إثرها، دهمت القوات الأميركية الخاصة منزل الجلبي في بغداد، بحثاً عن دلائل على أنه كان يتشارك معلومات استخبارية مع إيران. هناك استولوا على وثائق وأجهزة حاسوب، أما التهمة الوحيدة التي أعلنت بعد هذه العملية، فقد كانت أنهم عثروا على أوراق نقدية مزورة. واجه الجلبي هذا التطوّر بتقرّبه من رجال دين وهيئات مدعومة من إيران.
مع ذلك، فقد تولى عدة مناصب أميركية، بعد الاجتياح، منها رئاسة دورية لمجلس الحكم الذي شكلته واشنطن لإدارة البلاد، كذلك تولى منصب نائب رئيس الوزراء، وحقيبة وزارة النفط بشكل مؤقت. وكان يشغل رئيس اللجنة المالية في البرلمان قبل وفاته. الجلبي عمل، أيضاً، رئيساً لهيئة اجتثاث البعث، التي تأسّست بعد الاجتياح مباشرة، لإبعاد البعثيين عن المناصب في الدولة، حتى إعفائه منها عام 2011.
ومع أن الجلبي يصف نفسه بأنه ليبرالي، فقد أسّس «البيت الشيعي»، ثم «المجلس السياسي الشيعي»، وكان له دور بارز في تأسيس «قائمة الائتلاف العراقي الموحد»، التي عن طريقها حصل على مقعد في الجمعية الوطنية الانتقالية المنتخبة عام 2005.
قرّبه منفاه من مسؤولين غربيين، لكن إقامته البعيدة عن البلاد التي شهدت حروباً وحصاراً، جعلته بعيداً عن الناس الذين ادّعى أنه يمثلهم. رغم ذلك، فقد قال رئيس الوزراء حيدر العبادي إن الجلبي «كرّس حياته لمعارضة الديكتاتورية، ولعب دوراً في إقامة الديموقراطية في العراق». أما علاوي، الذي تربطه معه علاقة قرابة عائلية رغم خصامهما السياسي، فقد صرّح بأنه «يوجد بعض الناس الذين سيتذكرونه، بشكل جيد، لكن، للأمانة، هناك آخرين لم يحبّوا سياساته أو يرغبون فيها. وأضاف أنه رغم ذلك، فإن العراق فقد رجلاً كان له إسهام مهم والتزامات مهمة نحو الأمة، وحاول أن يقدم ما في إمكانه لهذا البلد».
(الأخبار)