صنعاء | فجأة، صدرت قرارات رئاسية يمنية تقول بإحداث تغيير نوعي في أكبر كتلتين عسكريتين في البلاد: الحرس الجمهوري، والفرقة أولى مُدّرع. هو قرار جريء فعلاً؛ إذ يصبّ في بنية إعادة هيكلة الجيش اليمني عبر توزيع هاتين الكتلتين وتفكيكهما بهدف تشكيل حرس رئاسي جديد مستقل بعيداً عن هيمنة أحمد علي صالح (نجل الرئيس السابق)، قائد الحرس الجمهوري، واللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرّع، المُنشق الأكبر عن نظام علي عبد الله صالح أيام الثورة.


في تعليق طريف ولامع من أحد شباب الثورة على صفحته الخاصة في «الفايسبوك» على قرارات الرئيس، قال: «أصدر عبد ربه منصور هادي قراراً قضى بترفيع رتبته من نائب لرئيس الجمهورية إلى رئيس للجمهورية». هو تعليق مازح، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى مدى الارتياح الذي لاقته قرارات هادي الأخيرة لدى شباب الثورة. كأنهم شعروا بأن ثورتهم عادت إليهم.
لكن فور صدور القرار، أصدر المُنشق الأكبر، علي محسن الأحمر، بياناً أكد فيه احترام قرارات الرئيس. كأنه بهذا البيان يعمل على إحراج نجل الرئيس المخلوع صالح واستباقه بإعلان بيان التأييد لقرارات هادي. كأنه يقول: «أنا قررت التخلي عن عدد من اللواءات التي أمتلكها، فماذا عنك أنت يا أحمد علي عبد الله صالح»! لكن من هو حتى يقوم بإعلان بيان تأييد! لم يقدر اللواء علي محسن الأحمر، هنا على اللعب جيداً بهذا البيان الفضيحة جيداً. أظهر نفسه كأنه قوة منفردة بعيدة عن سلطة الرئيس هادي. كأنه يبعث برقيات تأييد من مكان آخر خارج حدود الجمهورية اليمنية.
لكن يبدو أن علي محسن الأحمر لم يكن يملك مفراً من إصدار بيان التأييد. الرئيس الجديد ليس وحيداً، وهو يقوم بإصدار هذه القرارات. إنه مسنود بقرارات مجلس الأمن الدولي التي حذرت من أن «أي جهة ستقف ضد قرارات الرئيس اليمني ستُقابل بإجراءت قاسية في حقها». هو الأمر الذي جعل هادي يصدر قرارات أخرى أول من أمس هدفت إلى تجفيف منابع الأموال التي كان صالح يستمد منها مصادر صرفه على «البلطجية»، وطاولت إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني وبنك التسليف الزراعي. لكن أهم تلك القرارات تعيين شخص بديل لنجل أخي الرئيس، توفيق صالح الأحمر، الذي كان يشغل منصب رئيس شركة التبغ اليمنية. وهي الشركة التي لم يكن أحد يعلم أين تذهب أموالها، حيث كانت بعيدة عن أي مساءلة.
لكن إعادة هيكلة المؤسسات وتقليص نفوذ صالح وأقاربه ليست الهم الوحيد لهادي. هناك تحدٍّ أكبر. إنها العمليات الانتحارية التي صارت هماً كبيراً على قلب البلاد وأهلها. في مدينة أبين، التي ينحدر منها الرئيس عبد ربه منصور هادي، ذهب الناس إلى مجلس عزاء قبل أيام فتحولوا هم أنفسهم إلى أخبار عاجلة على شريط القنوات الإخبارية ووكالات الأنباء. لم يكونوا يعرفون أنهم سيتحولون، بعد دقائق من جلوسهم في أماكنهم في صالة العزاء، إلى سببٍ لفتح عزاءات أخرى لن يحضروها. لقد صاروا موتى وينبغي أخذ الناس الآخرين العزاء في حياتهم في اليوم التالي. هي قصة عصية على الفهم، لكنها حصلت وقد تتكرر في بلد يذهب بقوة لموسم عمليات انتحارية فريدة على غرار النموذج العراقي.
روايات الحادث تعددت. الأولى تحدثت عن قيام عنصر من جماعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة بالتسلل إلى مجلس العزاء في جعار، مستغلاً أمر انقطاع التيار الكهربائي وقام بزرع متفجرات في المكان عبر ثلاجة ماء صغيرة. متفجرات لم تكن على عجلة من أمرها فانتظرت حتى امتلاء مجلس العزاء بعشرات من الناس كي تنطلق لتحصد حياة نحو 45 شخصاً ولا يزال الرقم مرشحاً للتصاعد نظراً إلى الحالات الحرجة للمصابين. الرواية الثانية نشرها الموقع الخاص بصحيفة «سبتمبر نت»، التابع للجيش اليمني، وتفيد بأن العملية نُفِّذت عبر انتحاري كان يلف جسده بحزام ناسف واستطاع الدخول إلى المكان المفتوح على آخره لاستقبال جموع المعزين. لكن في كلتا الروايتين، النتيجة واحدة. عشرات من القتلى في قائمة الموت اليمني التي صارت مفتوحة طوال هذا الشهر «الفضيل».
هذا التخطي لكافة الحرمات، والإصرار على حصد أكبر قدر من الأرواح في مجلس عزاء وفي حالة لم تحدث من قبل على ساحة العمليات الانتحارية في اليمن، قد يكون مفهوماً عندما يُعلم أن هذا المجلس كان متاحاً لتقديم العزاء في وفاة قريب لعبد اللطيف السيد، وهو رئيس اللجان الشعبية بمحافظة أبين. هي ذاتها اللجان الشعبية التي ساعدت قوات الجيش اليمني في إبعاد مجاميع أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة، التي نجحت في احتلال مدينة أبين طوال شهور، نظراً إلى انسحاب تلك القوات النظامية منها في وقت حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي جعل المدينة ساحة مفتوحة لتلك الجماعات أن تحتلها بسهولة، كي يقول للعالم إن القاعدة تحتل مناطق من اليمن: وأنا الوحيد القادر على كبح جماحها.
لكنه فشل في هذا الأمر لتتحرر أبين من قوات أنصار الشريعة بعد قرار جريء من الرئيس عبد ربه منصور هادي بتغيير قائد المحور الجنوبي، وتعيين سالم القطن بدلاً من قائد المحور السابق الذي كان تابعاً للرئيس السابق علي عبد الله صالح، ليظهر فعلاً أن أمر مقاومة قوات صالح لعناصر القاعدة لم يكن سوى شكلياً، وفوق ذلك كان يعمل على تغذيتها وتشجيعها.
لكن هي أيام فقط من تحقيق قوات الجيش اليمني النظامي من تحقيق انتصارها في دحر قوات تنظيم القاعدة من مدينة ابين، بقيادة اللواء سالم القطن، حتى اغتيال هذا الأخير الذي كان مقرباً جداً من الرئيس هادي في عملية أعلنت أنصار الشريعة مسؤوليتها عنها، قبل أن تثبت الجماعة قبل أيام أنها لا تتردد في الانتقام حتى من الأبرياء، كعقاب جماعي لهم لطردها من أحيائهم سعياً وراء أمان، لا يبدو أن أنصار الشريعة مستعدة للسماح لليمنيين بالحصول عليه.




ملاحقة العناصر المتشددين


أعلن مسؤول يمني محلي، أن عنصرين من تنظيم القاعدة لقيا مصرعهما واعتقل ثلاثة آخرون، إثر دهم عناصر من الجيش واللجان الشعبية المؤيدة للحكومة منزلاً يتحصن فيه المتطرفون وسط مدينة جعار في محافظة أبين الجنوبية.
وذكر محسن بن جميلة، عضو الإدارة المحلية الموجود في المدينة، أن «عناصر الجيش واللجان دهموا منزلاً يتحصن فيه مسلحو القاعدة، وحصل تبادل لإطلاق النار، نجم عنه مصرع اثنين من الإرهابيين والقبض على ثلاثة آخرين». وأشار بن جميلة إلى اصابة قائد اللجان الشعبية في جعار عبد اللطيف السيد بجروح في العملية.
إلى ذلك، أعلنت السلطات الأمنية اليمنية مقتل قيادي كبير في تنظيم القاعدة في القصف الذي استهدف مواقع للتنظيم في محافظة البيضاء أول من أمس، فضلاً عن مقتل ستة عناصر من التنظيم معظمهم أجانب.
ووفقاً للجنة الأمنية العليا، فإن عبد الله عوض المصري، المكنى أبا أسامة الماربي، الذي قتل في البيضاء يعد مسؤول معمل صناعة المتفجرات وأحد أخطر قيادات عناصر تنظيم القاعدة في المحافظة.
وكانت مصادر قبلية، قد أفادت بأن طائرتين من دون طيار شنتا في وقت متأخر من أول من أمس غارات على موقع للقاعدة.
(الأخبار، أ ف ب)