طرابلس | صفحات أخرى تُطوى من التاريخ الليبي الحديث في عجالة بعد ركود دام لأكثر من 4 عقود، فالمجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي شُكل بطريقة توافقية في 27 شباط 2011 في مدينة بنغازي (شرق) بعد 10 أيام من الاحتجاجات المطالبة برحيل العقيد الراحل معمر القذافي، كانت أهم أولوياته حينها تكوين جسم بديل للتفاوض مع العالم، فأصبح الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي. لكن، وبعد انتخابات المجلس التأسيسي، أو المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان)، أصبحت المهمات التشريعية منوطة بهذه المؤسسة بما لديها من صلاحيات تمكنها من فرض كلمتها.

واتّسمت فترة الحكم الانتقالي بين التخبط بالقرارات تارة، والعشوائية والارتجالية تارة أخرى، فمعظم الليبيين لا يعرفون سوى وزير عدل القذافي المنشق المستشار مصطفى عبد الجليل، الذي تحمّل بدوره نصيباً لا بأس به من إخفاقات المرحلة، وخصوصاً أن أغلب تصريحاته لم تلق استحسان الشارع الليبي. كيف لا؟ وهو من ركز في خطاب التحرير التاريخي على ضرورة تفعيل الشريعة الإسلامية وإمكان الزواج بأربع نساء، متناسياً أن الأغلبية الساحقة من الشباب الليبيي لا تملك مصروف يومها.
لقد فشل المجلس الانتقالي في العديد من المهمات التي عوّل الشعب عليه لحلها، لقد وجد نفسه في صدام مع الشارع والحكومة، إذ إن الشارع خلط بين الدورين واستمتعت الحكومة بهذا الخلط. فالملف الأمني لم يواجه بحكمة وقوة وتُركت الميليشيات تصول وتجول ويتضخم دورها حتى أصبحت هي القوة الفعلية ولا صوت يعلو فوق أصوات رصاصها. أما ملف الجرحى، الذي يُعدّ أكبر عملية لإهدار المال العام في التاريخ الليبي، فلا يزال مفتوحاً على مصراعيه، والشعب لا يزال هو الحالم الوحيد بتأسيس جيش وطني بعد اغتيالات نجح بعضها، وفشل بعضها الآخر، طاولت عدداً من رموزه.
وفي مناسبة تسلّم المؤتمر الوطني مهماته اليوم، أكد عضو المؤتمر محمد علي عبد الله لـ«الأخبار»، أن المؤتمر الوطني يتسلّم مهماته في ظروف حساسة ليواصل مسيرة العودة بالبلاد إلى الشرعية الدستورية وليستكمل عملية بناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة التي يطمح إليها الشعب الليبي ودفع ثمنها عشرات الآلاف من الأرواح.
وترى عضو المجلس الوطني، انتصار العقيلي، أن الانتقالي كان خلال فترة حكمه يُشرّع ولم يكن يحكم، وأنه جاء في ظروف عصيبة، وشرعيته كانت توافقية، أي أنه لم يكن جسماً منتخباً. وهذا سبب الإخفاقات التي وقع فيها المجلس. لكنها أصرت، من ناحية ثانية، على أن الانتقالي قد حقق نجاحات كبيرة في حفاظه على وحدة البلاد واحتوائه لكل النزاعات التي حدثت بين مناطق الغرب والجنوب، موضحة أن أهم نجاحات المجلس «حتى وإن كان ليس هناك غيرها من نجاح» هي رسم خريطة طريق للمرحلة الانتقالية بخلق جسم شرعي تمثل في المؤتمر الوطني العام.
وتشير العقيلي الى أهم الاستحقاقات التي تغاضى عنها المجلس، قائلة «من وجهة نظري هو قانون العزل السياسي الذي من دونه لن تتحقق للثورة أهدافها ولا يُعتبر النظام سقط فعلياً من دون قانون عزل سياسي، ومرد ذلك إلى ضعف اللجان الاستشارية داخل الانتقالي، وعدم وجود إدارة قانونية بمستشارين وفقهاء قانونيين، إذ إن معظم التشريعات التي صدرت من الانتقالي لاقت ما لاقت من النقد وعدم الاستحسان».
من جهته، يرى عضو المجلس المحلي لمدينة بنغازي، محمد زوارة، أن «المرحلة كانت صعبة، والتقويم كان وفق فترات زمنية مختلفة، فبدايات الانتقالي ليست مثل نهاياته. لكن في العموم، الأمر كان فوق طاقة الجميع، فالتجربة السياسية جديدة ووليدة، وكانت تمر بمخاضات أزمة في كل شيء. أما في البدايات، فالأداء كان أكثر من جيد مقارنة بالإمكانات والظروف. وقد تحقق من الاعترافات الكثير، وكان الانتقالي متماسكاً ورسائله السياسية جيدة، وأداؤه السياسي جيداً، ثم جاءت فترة ما بعد التحرير، حيث كان الأداء متواضعاً وحصل تخبط في السياسات العامة للمجلس، وفقد المجلس البوصلة، لأنها فترة كانت تحتاج إلى سلوك يختلف عن سلوك الحرب والثورة».
ويشير زوارة الى الحاجة وقتها الى حزمة من التشريعات والقوانين وسلسلة من الإجراءات التأسيسية للتمهيد لتصحيح بناء الدولة. ويضيف إن «من الإنصاف القول إن المجلس حافظ على عدم انهياره، والذي كان قاب قوسين أو أدنى، وإنه مضى بالبلاد الى انتخابات المؤتمر الوطني. وهذا بحد ذاته إنجاز يحسب له مع التحفظات على الآليات والقوانين»، معتبراً أن تقويم المجلس الانتقالي ينبغي أن يكون وفق مراحله المتعددة، لا وفق مرحلة واحدة.
أما الدبلوماسي الليبي محمد الخازمي، فيرى «أن فترة إدارة المجلس الانتقالي الوطني مرت بمراحل عدة، صعوداً وهبوطاً، سلباً وإيجاباً، مدحاً ونقداً، وتقاطع دوره أو تنافس في أحيان أخرى مع المكتب التنفيذي، ثم مع الحكومة الانتقالية وصارت مصالح الشعب والدولة العليا مثل كرة المضرب بين قطبي إدارة الدولة، يرميها الجانبان، والشعب يتألم بالمشاهدة في ظل الفساد المالي وضياع هيبة الدولة، وفقدان السيطرة التامة على الحدود والمنافذ وضبط إيقاع الأمن وجمع السلاح وحسم ملف الجرحى والمفقودين. ويضيف إن الأمر زاد تعقيداً بالصراع على المناصب وقوانين الإقصاء وسيادة منطق الغنيمة في كل شيء.
لكن الخازمي يؤكد أنه «بالرغم من تلك السلبيات وضعف الأداء وندرة المحاسبة والشفافية، فإن المجلس قاد البلاد في مرحلة خطيرة وحاول ملء الفراغ قبل وبعد سقوط حكم القذافي وأسرته، واستطاع برغم الصعوبات والتحديات وتجميد الأموال والصراعات القبلية والمناطقية، أن يطبق خريطة الطريق التي أعلن عنها ووصلنا الى انتخابات نزيهة، مدحها وشهد بها كل العالم، على الرغم من المشككين والانفصاليين». لكنه يرى أن «المجلس بشرعيته التوافقية أوضح لنا حجم التصحر السياسي في ليبيا من قلة الخبرات السياسية والقيادات نتيجة حرمان القذافي لليبيين من العمل السياسي والحزبي».
ويشير الخازمي الى أن الكثير من أعضاء المجلس حاولوا أن يؤسسوا لمنطق الغنيمة السياسية والاستئثار بالمناصب، لكن وعي الشعب كان كبيراً، ما أجبر المجلس مرات عدة على التراجع عن قراراته. إلا أنه يرى، رغم ذلك، أن «التجربة يمكن الاستفادة من أخطائها لضمان عدم تكرارها في المؤتمر الوطني العام». ويشدد على «عدم إعطاء امتيازات خاصة لأعضاء المجلس المنحلّ مقابل عملهم لأن الليبيين كلهم ثاروا وضحّوا وعملوا من أجل ليبيا الحرة، فلا يجوز التمييز وتصنيف الناس وإهدار المال من دون رقيب أو حسيب».
بدوره، ينظر الكاتب الصحافي سمير السعداوي الى المؤتمر الوطني على أنه «أرفع كيان سياسي منتخب في ليبيا. لذا، فهو صاحب سيادة مطلقة على نفسه ولا سيادة لكيان سياسي آخر عليه، وذلك في إطار مبدأ فصل السلطات الأساسي في الديموقراطيات». ويقول إن هذا المجلس يمتلك السلطة التشريعية ويمارسها ممارسة مطلقة، من دون حسيب أو رقيب، إلا في حال مخالفة القواعد الدستورية العامة، لجهة قيام أحد أعضائه أو مجموعة منهم بممارسات تتناقض مع التوجهات الوطنية العامة، مثل المساس بوحدة البلاد أو تعريض أمنها للخطر أو ارتكاب الفساد».
ويرى السعداوي «أن الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تتدخل هي القضاء وبالاتفاق مع المجلس على رفع الحصانة عن العضو أو الأعضاء المخالفين تمهيداً لمحاكمتهم»، موضحاً أن في وسع هذا المجلس إعادة النظر في القوانين المؤقتة التي أصدرها المجلس الانتقالي، في الفترة السابقة.
ويؤكد الكاتب السياسي أن «نجاح المؤتمر الوطني في وظيفته ينبع من قدرته على إنتاج سلطة توافقية، بمعنى أن تنبثق عنه حكومة تشارك فيها كل الأطياف السياسية في البلاد، ويقتضي العرف السياسي بأن يقود هذه الحكومة التشكيل السياسي الذي حصل على أكبر نسبة من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، إلا إذا عجز هذا التشكيل عن نيل الثقة في المجلس، تؤول عندها المهمة الى صاحب الترتيب الثاني بين الأحزاب والتشكيلات الممثلة في المجلس». ويتابع إن الوظيفة الثانية للمجلس هي إطلاق حوار بين مكونات المجتمع وتياراته، وهذا من خلال مواكبة أعمال هيئة الـ 60 المكلفة بكتابة الدستور.
أما الكاتب الصادق دهان، فيشير الى «أن علينا أن لا ننتظر الكثير من المؤتمر الوطني، رغم أنه يعدّ إنجازاً عملاقاً من إنجازات الثورة في ليبيا. وأيضاً رغم تلك الأجواء الفرحة التي لازمت انتخاب المؤتمر، فأعضاء المؤتمر في غالبيتهم من الطبقة المتواضعة على مستوى الخبرة السياسية والعمل السياسي، بالإضافة الى المهمات المحددة التي لا تتعدى مناقشة ما ستقدمه لجنة وضع الدستور. وبالنظر الى الأوضاع عامة، والى التركيبة المكونة للمؤتمر، فالكلمة الفصل في قراراته ستكون للأقلية المثقفة، حسبما يقول دهان لـ«الأخبار».
ويضيف بأن أكثر ما يراه مهماً في الأولويات هو إصدار قانون العزل السياسي وازدواج الجنسية والمصالحة الوطنية وإرساء دعائم الأمن ونزع السلاح. «وهذا لا يتأتى إلا بحكومة وطنية خالية من التوجهات الجهوية أو المناطقية أو حتى حكومة محاصصة أو حكومة ثورية، بل ما يجب أن تكون حكومة تكنوقراطية مكونة من خبرات جاهزة تستطيع أن تعالج الأوضاع بحنكة وقادرة على الإنجاز».




أولويات المؤتمر الوطني العام


يرى معظم المهتمين بالشأن الليبي أن من أهم أولويات البرلمان هي الإشراف على كتابة الدستور وتسليم ليبيا موحدة كما تسلّمها من المجلس الوطني الانتقالي، بقيادة المستشار مصطفى عبد الجليل (الصورة)، ومحاولة تفكيك الميليشيات وتقليص نفوذها. أما عضو المجلس لمدينة بنغازي محمد زوارة، فيلخّص أولويات المؤتمر الوطني العام بالآتي: أن يحافظ على تماسك الدولة الليبية، وأن يحفظ أمنها واستقرارها وسيادتها، وأن يحفظ ليبيا من الانزلاقات أو التشتت أو التجاذبات التي لا تخدم الدولة، وأن يكون لديه مشروع واضح للحكومة الجديدة، وأن لا يذهب لتشكيل حكومة من دون مشروع لمهمات هذه الحكومة وأولوياتها، ومن ثم اختيار حكومة قوية تتناسب مع هذه الأولويات. ويولي زوارة الدستور أهمية قصوى بوصفه بالمهمة الأصعب للمؤتمر الوطني، فالدستور يجب أن يكون في مستوى الثورة وينتمي إلى هوية المجتمع وتاريخه.