إسطنبول | على الرغم من الحذر النسبي الذي سلكته أنقرة في علاقاتها مع طهران منذ بداية الأحداث في سوريا، يعرف الجميع جيداً أن حكومة رجب طيب أردوغان، التي دخلت تحالفاً استراتيجياً مع «الجبهة السنية» في الخليج، لا ولن تتأخر في إعلان موقف واضح في موضوع إيران. وجاءت تصريحات رئيس الأركان الإيراني فيروز آبادي الذي حمّل تركيا وقطر والسعودية مسؤولية الدماء التي سفكت في سوريا، لتضع أنقرة أمام تحديات حاسمة وواضحة في علاقاتها مع طهران التي اتهمها بعض المسؤولين الأتراك منذ البداية بالانحياز إلى جانب الرئيس «العلوي» لأن طهران «شيعية». واستغلت حكومة أردوغان تصريحات آبادي وسعيد جليلي في دمشق لتعلن موقفاً واضحاً جاء على لسان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أولاً ثم بنحو أوضح من وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو الذي اعتبر إيران شريكاً للأسد في قتله للشعب السوري. وقال إن حكومته «لا ولن تقبل بسياسات إيران في سوريا». وأضاف «أن أنقرة لا يمكنها أن تقبل بتصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين»، مشيراً إلى اختلاف وجهات النظر الجدية بين إيران وتركيا في موضوع سوريا.


وصادفت كل هذه التطورات السريعة الاشتباكات العنيفة التي تشهدها منطقة هكاري جنوب شرق البلاد، بين المئات من عناصر حزب العمال الكردستاني والجيش التركي الذي أعلن المنطقة محظورة ومنع على الجميع، بمن فيهم الإعلاميون وأعضاء البرلمان، دخولها. وأشارت مصادر حكومية بأصابع الاتهام إلى سوريا وإيران، بدعم حزب العمال الكردستاني. ويعرف الجميع أنهم جاؤوا إلى المنطقة من شمال العراق. ويتهرب المسؤولون الأتراك من توجيه أصابع الاتهام إلى رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني، الذي تعقد عليه أنقرة آمالاً كبيرة في مخططاتها للتخلص من حكومة نوري المالكي «الشيعية»، وبالتالي لضبط الأمور في المناطق الكردية شمال وشمال شرق سوريا، في حال تدهور الوضع الأمني في سوريا عموماً.
وتحدثت المعلومات الاستخبارية التركية عن احتمالات أن يسيطر أتباع وأنصار حزب العمال الكردستاني التركي على المنطقة وإعلان كيان فدرالي كردي هناك. ويبقى الدور التركي في سوريا مفتاح الأزمة التركية _ الإيرانية، التي انعكست وستنعكس على مجمل معطيات المنطقة، بعدما انتقلت تركيا إلى الخندق «المعادي» لسوريا، فيما وقفت إيران ومعها حكومة المالكي ونسبياً لبنان إلى جانب دمشق. ويعرف الجميع أنه لولا الدعم التركي للمعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه في سوريا التي كانت على وشك أن تتحد مع تركيا نهاية عام 2010. وهي الحال نفسها بالنسبة للعلاقات التركية _ العراقية، بعدما وقّع البلدان صيف 2009، 52 اتفاقية للتعاون الاستراتيجي انعكست معها العلاقات التركية _ السورية على العلاقات التركية _ الإيرانية في جميع المجالات. وكادت المنطقة تشهد انتصاراً تاريخياً عرقياً ومذهبياً، حيث نجح «العلوي» بشار الأسد في إقامة وتطوير علاقات استراتيجية مع «الإخوانجي السنّي» رجب طيب أردوغان، وانعكس ذلك على إيران «الشيعية» الحليف الاستراتيجي لسوريا، حالها حال الشيعة في لبنان.
وكان هذا الانتصار العقائدي الذي كاد يتحقق قد انعكس على الأرض، حيث ألغيت التأشيرات بين تركيا وكل من سوريا ولبنان والأردن والعراق وليبيا، وهو ما أسهم في تحقيق انفراج سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي في المنطقة عموماً، على الرغم من انزعاج جبهة «التحالف السنّي» في الخليج من هذا الانفراج الذي أسهم فيه في البداية الأمير القطري الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وتبين لاحقاً أنه لعب اللعبة بذكاء من خلال علاقات مميزة مع الأسد والقيادة الإيرانية ودعم «الجزيرة» للمقاومة في لبنان. ولم تتردد أنقرة في التضحية بكل هذه الانتصارات بعد أن اتفقت مع واشنطن على أداء دور جديد في المنطقة عبر «الربيع العربي». وتراجعت أنقرة فجأة عن موقفها المعارض للتدخل الأجنبي في ليبيا. وقيل الكثير بعد ذلك عن المكاسب المحتملة لتركيا من خلال تحالفها مع واشنطن وبعد تسلّم الإخوان المسلمين للسلطة في مصر وتونس وليبيا، وهو ما لم يتحقق لأردوغان، ولا سيما بعد نجاح الليبراليين في ليبيا، واضطرار حركة النهضة إلى التحالف مع أحزاب ليبرالية وعلمانية في تونس، وأخيراً فشل المعارضة السورية «السنية» في إسقاط نظام الأسد. ودفع كل ذلك العديد من المراقبين للرهان على مستقبل المصالح التركية مع سوريا والعراق وإيران، ولا سيما إذا بقي الأسد في السلطة. ويعرف الجميع أن الأسد، ومعه العراق وإيران ولبنان، سيتحول إلى عدو جديد لأردوغان الذي يواجه ما يكفيه من المشاكل في موضوع حزب العمال الكردستاني بامتداداته في سوريا والعراق وإيران. كذلك يعرف الجميع أن استمرار الحرب في سوريا وانفجار الحرب الأهلية بين السنّة والعلويين، سينعكس أولاً وأخيراً على تركيا، قبل أي دولة أخرى، ولا سيما بوجود نحو 3 ملايين علوي هم امتداد للعلويين في سوريا ويعيشون في المناطق الحدودية المتاخمة لسوريا في أنطاكيا ومرسين وأضنة، ويضاف إليهم نحو 12 مليون علوي تركي لهم مشاكلهم مع الدولة التركية «العثمانية الجديدة».
ويبقى الرهان الأهم على الورقة الكردية تركياً وإقليمياً ودولياً، لأن حزب العمال الكردستاني سيستغل أحداث سوريا ليعلن حكماً ذاتياً أو فدرالياً في شمال وشمال شرق سوريا، وهو ما سيمثّل خطراً استراتيجياً على مجمل حسابات الجمهورية التركية التي في مثل هذه الحالة ستواجه أكبر تحدياتها منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923، وستجد جميع دول المنطقة نفسها، نتيجة تطورات الوضع السوري، أمام تحديات قومية وعرقية ومذهية ودينية سببها الأساسي هو التغيير المفاجئ في سياسات أردوغان الذي قد يتحول كبش فداء لواشنطن.