أكثر من أي شيء آخر، عكست الأقوال التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي إبان حرب تموز 2006، عامير بيريتس، أجواء الارتباك والتخبّط التي سادت أوساط القيادة الإسرائيلية المسؤولة عن قرار الحرب عام 2006. في آخر جلسات الحكومة خلال الحرب، والتي انعقدت عشية سريان وقف إطلاق النار في الثالث عشر من آب، قدم بيريتس مداخلة لخّص فيها خلاصاته الشخصية حيال نتائج الحرب قائلاً «لم نخسر؛ لم يكن ثمة انتصار، لكننا لم نخسر بأي حال من الأحوال. حتى لو لم ننتصر، إلا أننا لم نخسر»! كلام بيريتس الذي كان أحد أضلع الثالوث المسؤول فعلياً عن الحرب، إلى جانب كل من رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ورئيس الأركان دان حالوتس، لم يكن في الحقيقة سوى محاولة تجميلية بادية التصنع للواقع الأليم الذي أفضت إليه الحرب بالنسبة إلى إسرائيل. واقع أجادت صحيفة «هآرتس» وصفه في إحدى افتتاحياتها آنذاك حين تحدثت عن «انتشار مشاعر النفور والخيبة العميقة والهلع التي جرفت الجمهور الإسرائيلي» غداة الحرب. وأشارت إلى المفارقة المأساوية التي وقعت إسرائيل فيها في تلك الفترة: «حكومة جديدة، برئاسة حركة سياسية جديدة تعهدت بوضع حدّ للاحتلال، قادت، أو ربما بشكل أدق قادها جيش مغرور وصدئ إلى هزيمة أليمة، مخيّبة للآمال ومحمَّلة بالمخاطر في حرب ضد حزب الله».


في وقت لاحق، أكمل تقرير فينوغراد المشهد الوصفي لحالة إسرائيل ما بعد الحرب من خلال إضافة عبارة «انكسار» على أدبيات هذا المشهد.




في ظل هذه الأجواء، لم يكن مستغرباً أن تقع إسرائيل الرسمية على تصريح «لو كنت أعلم» الشهير الذي صدر عن الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، في مقابلة تلفزيونية بعد الحرب، وقوع المحامي الفاشل على ما يعتبره دليل تبرئة. سريعاً ركبت إسرائيل موجة الرقص على الدماء التي أطلقتها قوى داخلية لبنانية حول هذا التصريح، مُخرجةً إياه من سياقه الإنساني المحض الذي عناهُ الرجل. وكما فعلت الجهات المعادية للمقاومة في لبنان، بادرت إسرائيل إلى توظيف كلام السيد نصر الله في حملة دعائية كانت غايتها الواضحة تكريس النصر كنتيجة للحرب بمفعول رجعي، مُستدلةً على ذلك بالإقرار المُأَوَّل لقائد المقاومة بأنه لم يكن لينفذ عملية الأسر لو علم أنها ستؤول إلى ما آلت إليه.
وعلى طريقة الكبت الواعي للذكريات الأليمة، عملت إسرائيل _ في حمأة احتفاليتها بتصريح السيد نصر الله _ على تناسي كل النتائج الكارثية التي أفضت إليها الحرب، رغم أن الحقائق الموضوعية كلها كانت تنطق بها دون مواربة. لوهلة، بدا كأن ما تفعله إسرائيل لا يعدو محاولة مكشوفة لتجنّب استحقاق المصارحة المباشرة والعلنية مع الذات، من النوع الذي أقدم عليه السيد نصر الله، لكن ضمن سياق يشمل الحسابات الاستراتيجية ببعدها الأوسع. بدت إسرائيل كأنها تكتم على لسان حالها القول بصوت مرتفع «لو كنت أعلم» دون أن توفق إلى النجاح في هذا الكتم تماماً.
لماذا لم تنجح؟ لأن تتبّع السيرورة الإسرائيلية خلال الحرب وما بعدها، يفضي إلى رسم سيناريو واضح المعالم لحسابٍ إسرائيلي مع النفس جرى بالمفرق، من دون ترابطٍ نسقيٍ يوحّد المشهد ويقدم، إذا حصل، صورة مكتملة العناصر، عنوانها الأوحد «لو كنت أعلم».

سيناريو يضيق المقام عن الإحاطة بكافة مكوناته، إلا أنه يمكن الوقوف على أبرز ما فيها، وتسجيل التقريرات التالية في إطار ذلك. من المؤكد أنه لو كانت القيادة الإسرائيلية، التي اتخذت قرار الحرب، تعلم أن هذا القرار سيطيحها ويدحرج رؤوس كبار جنرالات الجيش عن مناصبهم، بعد أن حلّقوا عالياً في بداية الحرب ليكون ارتطامهم بالأرض بحجم الارتفاع الذي بلغوه، فإنه من المؤكد أن هذه القيادة كانت ستفكر عشرات المرات في ما ستقدم عليه لو أنها استشرفت مصيرها البائس على ضوء قرارها. ولو كانت إسرائيل تعلم أن الحرب ستكشف عن أن سطوة جيشها لا تعدو كونها انتفاخاً أجوف، ستتبين حقيقته في العجز عن تحقيق الحسم أمام «منظمة تضم آلاف المقاتلين»، وهي الدولة التي لا يسمح وضعها الاستراتيجي بأقل من نصر حاسم كما قرر مؤسسها بن غوريون في حينه، لو كانت تعلم ذلك لربما سلكت الأمور منحى آخر عشية الحرب. ولو كانت تعلم أن الحرب ستزلزل الجيش، المؤسسة التي يتمحور حولها وجود الدولة، من خلال عشرات لجان التحقيق التي أمعنت في النبش في إخفاقاته، لكان من المرجح أنها كانت ستغني نفسها عن هذه الفضيحة ذات الدلالات البالغة. دلالات قد تشي بها حقيقة أن عبارة «عِبر حرب لبنان الثانية» تحولت إلى العبارة الأكثر استخداماً في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية.
واستطراداً، لو كانت تعلم إسرائيل أن الحرب ستفضي إلى نتيجة ميدانية أقل ما يقال فيها إن التباسها أدى إلى انكسار صورة جيشها الذي لا يقهر في نظر أعداء إسرائيل، لكان لها مع قرار شن الحرب حسابات أخرى، وخصوصاً أن مسار القتال بأكمله كان تظهيراً لحالة فشل متراكمة في القدرة على تطبيق كل واحد من المداميك الأساسية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية. فلا الجيش نجح في تحييد الجبهة الداخلية، ولا هو تمكن من حصر المعركة في أرض العدو، ولا هو قدر على تحقيق نصر حاسم وخاطف، فضلاً عن النقاش الجوهري في أصل تحقيق النصر. وهو نقاش حسمه تقرير «فينوغراد» سلباً حين جزم بأن الحرب شكلت «إخفاقاً كبيراً» وانتهت من دون «أن ننتصر فيها». هذا من دون التطرق إلى قضية بالغة الدلالة تتمثل في نسبة القتلى بين طرفي المواجهة والتي تقترب من واحد (من الجانب الإسرائيلي) لاثنين (من جانب المقاومة)، وهي نسبة كارثية إسرائيلياً قياساً إلى الحروب السابقة.
ولو كانت إسرائيل تعلم أن الحرب ستكون «كارثة قومية وضربة قاسمة»، كما أبلغ رئيسا الشاباك والموساد في حينه رئيس الوزراء أولمرت، وستبلغ بإسرائيل «نقطة الحضيض ووضعية انكسار قومي»، كما عبّر وزير الشؤون الاستخبارية الحالي، رئيس طاقم صياغة نظرية الأمن القومي في حينه، دان ميريدور، وستمثّل «الهزيمة الأولى في تاريخ إسرائيل»، كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه أرينز، ولو كانت إسرائيل تعلم أنه سينتج من الحرب «تآكل حاد في قدرة الردع »، كما عبّر وزير الدفاع الحالي إيهود باراك، وستعيد إسرائيل إلى حالة التهديد الوجودي الذي كان قائماً قبل عام 1967 كما صرّح بذلك رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتيناهو، ولو كانت إسرائيل تعلم أن الحرب ستنشأ عنها كل هذه الاشتراكات المأساوية بالمعنى الاستراتيجي، فإن المرجّح أنها ستكون أكثر تريّثاً وأقل اندفاعاً، لو قُدّر لها أن تعود بها الأيام إلى عشية الثالث عشر من تموز قبل ستة أعوام.
وهي لو كانت تعلم أن التداعيات الاجتماعية التي ستخلفها الحرب ستكون بهذا الحجم وهذا السوء، وفقاً لما أوردته الصحافة الإسرائيلية من نفور، خيبة، هلع، تدنّي نسبة الالتحاق بالخدمة العسكرية، انعدام الثقة بين الجنود والقيادتين السياسية والعسكرية، تراجع إلى حدّ الانهيار في القيم العسكرية، وخصوصاً تلك المرتبطة بزمالة السلاح، لكان شأنها مع قرار الحرب شأناً آخر.
والأهم من كل ذلك، لو كانت إسرائيل تعلم أن الحرب ستنتج تحولات جذرية في موازين القوى تجعلها تعيش حنيناً إلى الماضي الذي كان فيه التلويح بسطوتها العسكرية كفيلاً بإخضاع إرادات دول إقليمية، وأن هذه التحولات تضاعفت معها _ باعتراف الاستخبارات الإسرائيلية _ قوة حزب الله عشرات المرات وأصبح بفعلها قادراً على استهداف أي موقع داخل إسرائيل بشكل نقطوي، وعلى تدمير الأبنية والمنشآت الاستراتيجية والبنى التحتية والخدماتية تماماً كما يفعل سلاح الجو الإسرائيلي في أيّ حرب، وقادراً على فرض حصار بحري على السواحل الإسرائيلية مثلما يفعل سلاح البحرية الإسرائيلي، وقادراً على إجهاض الفاعلية الميدانية لدبابات الجيش الإسرائيلي وفرقه بحيث يصبح مجرد التفكير في الحرب البرية ضرباً من المغامرة في جبهة لا يتعدى عرضها عشرات الكيلومترات. ولو كانت إسرائيل تعلم أن حرب تموز 2006 ستفقدها القدرة على التلويح بخيار الحرب خوفاً من مخاطرها ومن أكلافها ومن نتائجها التي لم تعد مضمونة، وستقدمها بصورة المتردد في شنّها، رغم أن المتغيرات في بيئتها الاستراتيجية تقدم لها كل صباح أسباباً كافية للقيام بذلك، ولو كانت إسرائيل تعلم أن الحرب نفسها ستنحدر بها إلى حيث صارت تُقرن في معادلات التوازن الإقليمي مع... لبنان، الدولة التي طالما تندر قادتها على ضعفه وعجزه. لو كانت تعلم أن كل ذلك ستجيء به حرب تموز، فإن ثمة ما يكفي من الأسباب للتساؤل عمّا إذا كان رئيس وزارئها في حينه سيقف على منبر الكنيست ليُرغي ويزبد صائحاً «حتى هنا»؟




تكلفة قتل عنصر من حزب الله

أطلق الجيش الإسرائيلي، خلال الحرب، على الأقل مئة وخمسين ألف قذيفة، تمثّل في مجموعها العددي أكثر مما أطلقه في جميع حروب إسرائيل مجتمعة حتى الآن. أما سلاح الجو الإسرائيلي، فقد قام بأكثر من 12000 طلعة، وعلى الأقل ثلث هذه الطلعات كان غارات قتالية ألقي فيها ما لا يقل عن 8000 قنبلة من بينها 7000 قنبلة « ذكية». على الصعيد الاقتصادي، كلفتنا الحرب على الأقل 8 مليارات شيكل، ويبدو أن الحسابات الدقيقة هي أكثر من هذا الرقم بكثير.
في المقابل، قتلنا خلال هذه الحرب، إذا صدقنا الجيش الإسرائيلي، نحو 600 عنصر من حزب الله. أي إنه بحساب بسيط نكون قد ألقينا على الأقل 11 قنبلة «ذكية»، سعر كل واحدة منها عشرات آلاف الدولارات، وأطلقنا أكثر من 250 قذيفة وصرفنا حوالى 12.500.000 شيكل من أجل قتل عنصر واحد من حزب الله. أما إذا صدقنا حزب الله الذي، بصورة عامة، يقول الحقيقة، في مواضيع كهذه، وهو يقول إن 250 من مقاتليه فقط قد قتلوا خلال الحرب، فإن الأرقام التي أنفقناها على كل عنصر من حزب الله تصبح مخيفة بأضعاف مضاعفة.
«معاريف» 21/12/2006