تونس | المحافظة التي انطلقت منها شرارة أحداث الثورة التونسية في ١٧ كانون الأول 2011، بعدما أحرق محمد البوعزيزي نفسه لتنتهي بسقوط عشرات الشهداء والجرحى، وفرار الرئيس السابق الجنرال زين العابدين بن علي، شهدت إضراباً عاماً، وتظاهرة رفعت شعارات ضد الإسلاميين الذين يقودون الائتلاف الحاكم ونددت بقمع السلطة لتظاهرات حصلت أخيراً.


وأغلقت نحو ٨٠ في المئة من المرافق العمومية من مصارف ومؤسسات عمومية وخاصة أبوابها، استجابة لدعوة الاتحاد العام التونسي للشغل. وانطلقت تظاهرة حاشدة جابت سيدي بوزيد باتجاه قصر العدل خارج المدينة، حيث يُحاكم الموقوفون من شبان المحافظة، والذين شاركوا في الاحتجاجات على انقطاع الماء والكهرباء وتردي الأوضاع الاجتماعية. وهي الاحتجاجات التي واجهتها الحكومة باعتماد سياسة العصا الغليظة والتوقيفات.
التعامل الأمني العنيف مع احتجاجات سيدي بوزيد كان وراء الاحتقان وحالة الإحباط التي تسود الشارع التونسي، وخاصة أنها تتزامن مع شهر رمضان، الذي يُفترض أن يكون شهراً للتسامح والرحمة بين التونسيين. لكن اعتماد العصا الغليظة كان له تأثير سيئ على العلاقة بين الحكومة وحركة النهضة من جهة، وبقية الأحزاب والقوى الاجتماعية (مثل اتحاد الشغل).
حتى شريكي حزب النهضة في الحكم (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات)، دانا في بيانين العنف الذي واجهت به وزارة الداخلية الاحتجاج الشعبي. هذه الإدانة الواسعة دفعت الحكومة الى محاولة تهدئة الخواطر، إذ تم أمس الإفراج عن كل الموقوفين في قضية الاحتجاج على انقطاع الماء من أبناء قريتي السبالة وسوق الجديد من محافظة سيدي بوزيد.
كذلك أفرج ظهر أمس عن الموقوفين النقابيين في مدينة صفاقس، على خلفية أحداث المستشفى الجهوي، بعدما تنازل رجل الأمن عن حقه الشخصي في تتبع النقابيين بتهمة الاعتداء عليه. كذلك، تنازل النقابيون عن حقهم في تتبع رجل الأمن.
وبالإفراج عن النقابيين، تكون الحكومة قد خطت خطوة لوضع حد للاحتقان الذي بلغ درجة غير مسبوقة في علاقة الحكومة والمعارضة، إذ تنامى الغضب على الترويكا الحاكمة التي «فشلت في تقديم رسائل طمأنة ومؤشرات إيجابية للشعب الذي يعاني الفقر والبطالة والتهميش»، حسبما يقول الناشطون وقادة الأحزاب السياسية والمنظمات.
وكان يُنتظر أن تظهر مؤشرات عملية عن بدايات تغيير في طريقة معالجة الملفات الاجتماعية، لكن ما حصل أن الترويكا، وخاصة الحزب المهيمن، أعادت إنتاج المنظومة السابقة نفسها. ومن أبرز عناصرها: التداخل بين الحزب والدولة، اعتماد مبدأ الموالاة في التعيينات لا مبدأ الكفاءة، التضييق على الحريات، الهيمنة على القضاء، تشويه المعارضين وعودة القبضة الأمنية.
كل هذه المؤشرات كانت كافية لتعيد الاحتقان الى الشارع، حيث الشرعية التي ترفعها الترويكا كعصا ضد المعارضة لا تبيح لها الاستفراد بمقدرات البلاد في مرحلة انتقالية، الأولوية فيها لإعداد الدستور وتنظيم الانتخابات.
ويبدو أن الإفراج عن النقابيين والموقوفين في أحداث انقطاع الماء ليس كافياً بالنسبة إلى الشارع، فملف شهداء وجرحى الثورة لا يزال محور تجاذب بين الأطراف السياسية، وكذلك ملف بطالة أصحاب الشهادات العليا.
وقد شهدت محافظة قفصة المحاذية لمحافظة سيدي بوزيد، أمس، احتجاجات شعبية أدت الى محاولة اقتحام غاضبين لمقر المحافظة ومبنى إذاعة قفصة الجهوية، فمتى يهدأ الشارع التونسي؟





رأى المتحدث الرسمي باسم الحكومة التونسية سمير ديلو (الصورة)، أن تنظيم إضراب عام أمس في سيدي بوزيد (وسط غرب)، أمر «لا مبرر له»، متّهماً أطرافاً حزبية بـ«التوظيف السياسي». وقال ديلو لإذاعة «موزاييك إف إم» إن «التحركات التي تشهدها بعض جهات البلاد يمكن تفهمها نظراً إلى ظروف المعيشة الصعبة... لكن لا أظن أن هناك ما يبرر إضراباً عاماً» في سيدي بوزيد. وأضاف «مطالب التنمية مشروعة، ولا يجب أن تدخل على الخط أطراف سياسية وحزبية لتوظيفها سياسياً... هذه الأطراف عبّرت عن هويتها بوضوح في الأحداث الأخيرة، إذ قال المسؤولون الأوائل في هذه الأحزاب إن ما يقومون به هو تصحيح لمسار الثورة، وبلغ الأمر ببعضهم حد الحديث عن ثورة ثانية».
(أ ف ب)