نشرت صحيفة «هآرتس» تقديرات متشائمة صادرة عن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تحذر من إمكان تجدد الهبة الفلسطينية، وربما على نطاق أوسع، حتى لو نجحت المساعي في تقليص مستواها وحجمها حاليا. والتقديرات الاستخبارية الإسرائيلية، التي نقلتها الصحيفة يوم أمس، عُرضت في اليومين الماضيين أمام القيادة السياسية في تل أبيب. وتضمنت وصفا للواقع الحالي، وتقديرا لواقع لا يبشر بخير، من جهة إسرائيل، في المستقبل القريب، لكن هذه التقديرات أشارت إلى أن الأحداث الأخيرة لا تنجح في هذه المرحلة في جر الجمهور الفلسطيني إلى انتفاضة أوسع في الضفة المحتلة.

ويشير التقرير إلى ان التقديرات الاستخبارية ترى أنه حتى لو تحقق هدوء نسبي، لاحقا، فإن من الصعب جدا استعادة العلاقات مع السلطة الفلسطينية إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الأحداث.

وتنظر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية بقلق، إلى الوضع الداخلي لدى السلطة، وتحديدا ما يتعلق بضعف رئيس السلطة، محمود عباس، والمعركة الناشئة على خلافته، إضافة إلى الشعور بأنه لا جدوى للعملية السياسية.
«هذه عوامل، لن تسمح بالحفاظ على الهدوء النسبي لمدة زمنية طويلة، حتى لو خفت حدة وحجم الاحتجاجات، لكنها ستعود لتشتعل من جديد»، تقول التقديرات. أما لجهة الهدوء النسبي في القدس المحتلة، فيعزو مسؤولون أمنيون إسرائيليون انحسار «الهجمات الإرهابية» في المدينة، بعدما لم تسجل إلا عملية طعن واحدة خلال أسبوعين ونصف أسبوع أخيرا، إلى مزيج وخلطة من العوامل: تخفيض مستوى التوتر في الحرم، والتفاهمات الإسرائيلية مع الأردن، ونجاعة الخطوات المتشددة التي اتخذتها الشرطة الإسرائيلية في الأحياء الشرقية للقدس.
وحول منطقة الخليل في الضفة، أشارت التقديرات إلى أن الأحداث انتقلت إلى هذه المنطقة في منتصف تشرين الأول، حيث نفذت عمليات طعن واسعة هناك. ويأمل المسؤولون الإسرائيليون أن تعزيز حضور الجيش في الخليل، من شأنه أن يساعد تدريجيا على تقليص عدد «الهجمات الإرهابية» في المدينة.
لكن الأسوأ، وفق التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية، أنه حتى لو انتهت الجولة الحالية من العنف أو تقلصت إلى حد كبير، فإنها ستعود وتتصاعد من جديد، وربما في غضون بضعة أشهر لا أكثر. وأشارت التقديرات إلى الأسباب التي تدفع الفلسطينيين إلى إعادة الاحتجاجات من جديد: الشعور بالإحباط واليأس، وخيبة أمل من السلطة الفلسطينية، والرغبة أساسا في مواجهة إسرائيل. والأكثر قلقا لدى أجهزة الاستخبارات أن التفاهمات التي سادت في العقد الأخير بين السلطة وإسرائيل، وسمحت بوضع أمني مستقر نسبيا، قد تآكلت ومن المشكوك أن يتمكن الطرفان من إعادة ترميمها إلى سابق عهدها.
في هذه التقديرات أيضا، معطيات لا تقل قلقا بشأن المستقبل غير البعيد، لأن الجمهور الفلسطيني في الضفة يستعد منذ الآن، لليوم الذي يلي انتهاء حكم عباس، ابن الثمانين عاما، و«لدى المسؤولين الفلسطينيين الكبار الآخرين، استعداد أقل للحفاظ على مستوى عال من التنسيق الأمني مع إسرائيل».
أما لجهة قطاع غزة، فتقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن قيادة حركة «حماس» تواصل الامتناع عن فتح جبهة جديدة مع إسرائيل وتكتفي بالسماح، بين حين وآخر، بـ«مسيرات عنف» نحو الجدار الفاصل، كما يواصل القادة العسكريون لـ«حماس» في تركيا وفي غزة، تشجيع «الإرهاب» المنطلق من الضفة بكل الوسائل، ويحاولون تنظيم عمليات إطلاق نار وزرع عبوات ناسفة و«عمليات انتحارية». مع ذلك، فإن «نجاحها (العمليات) حتى الآن محدود، والأمر يعزى إلى الضربة الشديدة للشبكات العسكرية لحماس في الضفة في السنوات السابقة».
«العامل ذو الأهمية الكبرى في التطورات قريبا هو «التنظيم»، أي الناشطون الميدانيون من حركة «فتح» في الضفة»، هذا ما تشدد عليه التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية، التي وصفت موقف ناشطي التنظيم بأنه نقطة ارتكاز من شأنها أن تؤثر في وجهة الأمور في الأسابيع المقبلة، هل ستكون نحو التصعيد أو الهدوء؟
«في بداية تشرين الأول»، تضيف التقديرات، «شارك ناشطو فتح مشاركة فعالة في التظاهرات التي انتهت بمواجهات عنيفة مع وحدات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في أرجاء الضفة. وعباس الذي خاف من آثار الصدامات، تدخل متأخرا للحد من ذلك، وقرر أن يعمل على كبح جماحهم». المسألة التي تثير القلق لدى الأجهزة الاستخبارية أن «رجال التنظيم يملكون أسلحة بأعداد وفيرة، وبعضهم يرتبط بأجهزة أمن السلطة، أو يخدمون فيها بالتوازي مع عضويتهم في التنظيم.