تونس | لم يكد التونسيون يستريحون من حرارة شهر الصيام، حتى تكرر من جديد «القصف» السلفي الجهادي على المجتمع التونسي، ووصل هذه المرة إلى حد الدعوة إلى «تصفية» مواطنين تونسيين على أساس مذهبي، وهو ما استدعى خروج دعوات عديدة تحذر السلطات من خطر الفتنة.

زعيم الحركة السلفية الجهادية في تونس، أبو عياض، رأى أنّ من الضرورة الحذر مما عدّه «زحفاً شيعياً رافضياً»، يقول إنه «بدأ يمتدّ شيئاً فشيئاً إلى بلادنا». وأشار إلى أنه نبّه بذلك العديد من المرات، مشيراً إلى أنّ ما يحدث اليوم في تونس «بمثابة استراتيجيا شيعيّة لغزو أهل السنّة». وتساءل: «أين من يدّعون انتسابهم إلى أهل السنّة الذين جعلوا أرضنا مرتعاً للحاقدين على أصحاب رسول الله، بل الحاقدين على أهل السنّة، بل سمحوا لتنظيم إيران وحزب الله الشيطاني بأن يدنّس أرض عقبة (بن نافع)».

واستنتج أحد قادة تنظيم «العرب الأفغان» أيام الحرب على السوفيات «أنه إذا ما تشيّعت القيروان فإن المغرب كله سيتشيّع». ولعل كلاماً مثل هذا من شأنه أن يسمم الواقع الحضاري لتونس ولوسطية مجتمعها، ولا سيما مع انتشار الوباء التكفيري في صفوف المواطنين التونسيين، وتحديداً في المناطق الشعبية التي باتت وكراً لانتشار التطرف الفكري الديني.
وطفا هذا الوضع على السطح بعد زيارة أحد رموز المقاومة اللبنانية سمير القنطار لبنزرت في مناسبة الاحتفال بيوم القدس العالمي، واستقبله السلفيون من خلال التهجم على هذه التظاهرة الثقافية مسببين اصابة عدد من المشاركين بجروح.
أبو عياض لم يستسغ حصور القنطار، وشد على أيدي «إخوانه» بقوله، في اطار تعقيبه على أحداث بنزرت: «قاموا قومة رجل واحد، غضبة لدين الله ونصرة لإخواننا في الشام، لطرد عميد الأسرى العرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي سمير القنطار»، واصفاً الأخير «بالخبيث الذي استقبل استقبال الأبطال، ليشجّع على الوقوف مع طاغية الشام».
ومن هذا الكلام بدا من بعيد أن «شبح الطائفية» بدا يلوح في البلاد. لكن دفع أمير السلفيين الجهاديين لمنع الشيعة و«دحرهم»، لا يعدو كونه تحذيراً من خطر غير واقعي لا يوجد له مكان في تونس. فالشيعة الذين ينبه من خطرهم أبو عياض أقلية صغيرة ولا تعد إلا بالمئات من أبناء الشعب التونسي.
وتدخل تحذيرات أبو عياض ضمن موجة صراع فكري ضربت البلاد منذ الثورة، وقيام حرب لا تمت إلى الواقع الاجتماعي التونسي بصلة، جعلت السلفيين لا يترددون في مناكفة سلطة الدولة ويتحركون من «دون رقيب»، حتى إنهم باتوا يشاركونها في احتكار «العنف الشرعي»، موظفين إياه ضد المواطنين العزل. وهذا ما جعل وزارة الداخلية التونسية تتعرض لاتهامات بالتواطؤ مع السلفيين، ولا سيما أنها لم تحرك ساكناً للحد من التحركات السلفية الخطيرة.
ولعل هذا الربط بين السلفيين وحركة النهضة، كان سبباً في اصدار حركة الشعب تحذيرات للحكومة من «اللعب بنار الفتنة الطائفية» التي أصبح رأسها مطلاً في «سابقة لم تعرفها منذ نحو 14 قرناً». وأكد بيان الحركة أن «الفرز لا يكون على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي، بل على أساس وطني منتصر للمقاومة ضد الاستعمار الإسرائيلي ـــ الأميركي ودوائر نهب الشعوب».
ورغم هذه اللغة التي تضع الحكومة الإسلامية محل اتهام وتحالف مع السلفيين، اتهم البعض الآخر دعاة سعوديين بمسؤوليتهم عن نشر الفكر الوهابي في تونس. وحذر الشيخ عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي حركة النهضة الحاكمة، من «فتنة» بسبب قيام دعاة سعوديين بتنظيم دورات لنشر الفكر الوهابي المتشدد في تونس التي تعتمد المذهب المالكي.
وقال مورو: «نعم، هؤلاء يأخذون شباباً ليس لديهم معرفة دينية سابقة وحديثي العهد بالصلاة ويعلمونهم قواعد الفكر الحنبلي، ويهيئونهم لأن يصبحوا طابوراً في بلدنا يدعو إلى استبعاد المذهب المالكي والفقه المالكي وإحلال المذهب الحنبلي محله». وأوضح أن الدعاة السعوديين ينظمون في تونس «دورات تكوينية مغلقة» تستمر ثلاثة اشهر ويدفعون مقابلاً مادياً للشبان الذين يتابعونها لأنهم «ينقطعون عن أعمالهم» طوال الدورات.
من جهتها، لم تجد وزارة الثقافة بداً من التحذير من أن «تواتر الاعتداءات (السلفية) على التظاهرات الثقافية في البلاد ينذر باحتقان مذهبي غريب عن المجتمع التونسي المعروف بوسطيته». وأهابت الوزارة «بجميع الأطراف التصدي لمثل هذه الظواهر المتطرفة»، ودعت إلى «محاسبة الأطراف المتورطة وعدم التسامح معها».