أحيا الدخول الروسي في الأجواء السورية مسألةً برزت منذ بداية الأزمة السورية عام 2011: كيف نجعل الأكراد حلفاءنا؟ سؤال لم يعرف روّاد «الثورة» الإجابة عنه، وهم المتأمّلون بسقوط سريع للنظام، ورافضون لأيّ «تنازلات» ثقافية وسياسية للأكراد.


شهور وأضحت «وحدات حماية الشعب» الكردية «رديفاً» للجيش السوري، إذ لعبت أنقرة دوراً رئيسياً في ابعاد «حزب الاتحاد الديمقراطي» عن ملعب «الثورة».
خيوط نُسجت بين «أكراد أوجلان» والدولة السورية، ما لبثت أن قطع معظمها منذ دخول طائرات «التحالف الأميركي» إلى سماء سوريا، وتقديمها الدعم الجوّي لـ«الوحدات»... مثال معركة عين العرب (كوباني) حاضر في الأذهان.
منذ ازدحام الأجواء السورية بطائرات «السوخوي» وخفوت الغارات الأميركية، كانت قيادات كردية تلتقي بمسؤولين سوريين وروس في دمشق واللاذقية. اللقاءات التي بدأت في الأسبوع الأول من الشهر الماضي كان من المفترض أن تفضي إلى تعاون كردي ــ روسي، تحت سقف الجيش السوري. دعم جوي وتسليحي وسياسي مقابل وضع «الوحدات» على نحو واضح إلى جانب الجيش.


«المراوغة الكردية» ظهرت قبيل إعلان بدء عمليات مشتركة مع «التحالف الدولي»


اللقاءات «الاستكشافية» الكردية بغية إمكانيّة العمل والتنسيق على الأرض مع الروس تبدو حتى الآن متعثرة، حسب مصادر متابعة. الجلسات التي بقيت سريّة تؤكد أن لا تنسيق روسياً ــ كردياً في الفترة المقبلة. وتشير المعلومات إلى أنّ الجانب الروسي يقول إنّه بانتظار الردّ الكردي، فيما الأخير يلفت إلى أنه بانتظار أجوبة إضافية واستيضاحات من الروس. «المراوغة الكردية» حسب وصف مسؤول سوري، ظهرت قبيل إعلان بدء عمليات مشتركة مع «التحالف الدولي» في ريف الحسكة.
وتروي مصادر على صلة بالمفاوضات الكردية ــ الروسية، أنّ إعلان هذه العمليات خفض من احتمال التعاون مع الروس حالياً: «موسكو لديها حالياً بنك أهداف كبير إلى جانب الجيش السوري وتركيزها هناك»، فيما «الأميركي والكردي مشوا بعملياتهم».
وهذا ما يتقاطع مع الخطوات التنسيقيّة الأميركيّة ـ الكردية، والتي أدت أخيراً إلى تشكيل تحالف «قوات سورية الديمقراطية» كبديل لمشروع واشنطن في دعم «المعارضة المعتدلة»، من خلال إضافة مكوّن عربي إلى القوات الكردية في تحالف جديد أميركي الهوى. هذا التحالف، الذي أطلق في 12 تشرين الأول، شكر في بيانه التأسيسي «قوى التحالف الدولي على دعمها لنا. ونناشد مرة أخرى القوى الدولية مواصلة دعمنا ومساندتنا».
وخلال اللقاءات الكردية ــ الروسية، كانت الصحف الأميركية تسرّب عن مسؤولين في إدارة الرئيس باراك أوباما موافقته على «خطوتين مهمتين» لإطلاق «هجوم قريب»، بعد إيعازه «للمرة الأولى بتزويد قوات المعارضة بالذخائر والأسلحة. واقتراح لتجهيز ما بين ثلاثة وخمسة آلاف مقاتل سينضمون إلى نحو 20 ألف مقاتل كردي في هجوم تدعمه عشرات من مقاتلات الائتلاف الدولي للضغط على الرقة». تغيير الدينامية على الأرض، أتبعها اعلان البنتاغون أن «طائراتهم ألقت بنجاح 50 طناً من الأسلحة والذخائر في ريف الحسكة تم استلامها من قبل قوات صديقة».
بعد الذخائر، أعلن البيت الأبيض منذ أسبوع نيته إرسال «أقل من 50 عنصراً من القوات الخاصة إلى سوريا في مهمة غير قتالية، تشمل تدريب ومساعدة قوات المعارضة في محاربة داعش». الأميركيون استعجلوا بناء قوّة على الأرض تحتوي على أي إنجاز للجيش السوري بمساعدة الطائرات الروسية. عنوان «الرقة» تسدّد واشنطن عبره ضربة معنوية وعملانية للروس، عبر تحرير «عاصمة داعش» في سوريا، عكس الروسي الذي «يضرب المعتدلين إلى جانب قوّات الأسد». عملياً، نجحت واشنطن في تحييد الأكراد عن الملعب الروسي، لكن الحسابات الأميركية تواجه مشاكل عديدة. فبعد الزخم الإعلامي، وحتى العسكري، تحضيراً للمعركة المنتظرة يواجه حلفاء واشنطن ارباكاً كبيراً في التنسيق والتحضير لعملية كبرى كهذه. وتفيد معلومات «الأخبار» بأنّ الولايات المتحدة تضغط على الأكراد ليكون لهم مساهمة أساسية وكبيرة في المعركة، لمعرفتها بقدرات «الوحدات» العسكرية مقابل التشكيلات الأخرى في «قوات سوريا الديمقراطية». وتروي مصادر متابعة أنّ «الوحدات» ترفض، حتى الآن، الظهور بشكل فجّ في العمليات لمعرفتها أنها ستكون على عاتقها وستواجه بحملة شبيهة بمرحلة ما بعد السيطرة على مدينة تل أبيض، بعد اتهامها بالتطهير العرقي والسيطرة على مناطق عربية، لكونها ستقاتل هذه المرة في بيئة ديمغرافية غير حاضنة لها. وإذا حققت إنجازات ميدانية، فستكون مطالبة مستقبلاً بالانسحاب منها. يريد الأميركي من الاكراد أن يحرروا أرضاً لا يرونها لهم، ويدركون أنهم سيتخلون عنها لاحقاً.
معركة الرقة مؤجلة إذاً إلى حين يبدو طويلاً. فبالإضافة إلى مشكلة التحضيرات، أطلقت «قوات سورية الديمقراطية» قبل أيام «معركة تحرير ريف الحسكة الجنوبي». ظهر اعلان عمليات الحسكة كهروب من تعثّر في الرقة، حيث يريد «التنظيم» الوليد اثبات نفسه بنجاح ميداني، في معركة تُعتبر عسكرياً وجغرافياً أسهل من «اقتحام عرش البغدادي السوري».
وهو اليوم يركّز على بلدة الهول القريبة من الحدود العراقية، لكن، أيضاً، رغم الإسناد الجوّي الأميركي، تواجه القوات المتقدمة صعوبات كبيرة بسبب المعارك الضارية مع تنظيم «داعش»، إذ نجح التنظيم، مثلاً، أمس باسترجاع 3 نقاط خسرها في محيط الهول قبل أيام.
الناطق الإعلامي باسم «قوات سورية الديمقراطية»، العقيد طلال سلو، يقول لـ«الأخبار»، إنّه «لا وقت محدد لإنهاء عمليات الهول»، مضيفاً أنّ المهمة حالياً «تتركّز على تحرير ريف الحسكة»، ثمّ تُقرّر الجبهة القادمة في اجتماع مجلس القيادة إن كانت في «ريف حلب الشمالي أو الرقة».
13 فصيلاً المشكّلة لـ«قوات سورية الديمقراطية»، قيل إنّها مكوّنة من 50 ألف مقاتل، أغلبهم من الأكراد ومن شاركهم في عملياتهم في عين العرب (كوباني) وريف الرقة الشمالي (تل أبيض - عين عيسى). وبيان تأسيس «التحالف» أكّد أنّه يضم «قوى عربيّة وسريانية وتركمانية ومكونات أخرى تملك قوى بشرية على الأرض». إلّا أن المبالغة الكبيرة في الأرقام بدت واضحة، فإعلان وجود 1500 مقاتل من «المجلس العسكري السرياني (السوتورو)» (وهو بالأساس حليف «الوحدات» ومنضوٍ في «الادارة الذاتية») هو أمر شديد المبالغة، حسب مصادر عسكرية في الشمال السوري.
والحال ذاته ينطبق على «جيش الثوار» و«لواء ثوار الرقة»، اللذين قدّر عدد مقاتليهما بـ5000، فضلاً عن إعلان أسماء جديدة كـ«تجمع ألوية الجزيرة»، مع الإشارة إلى محاولات كرديّة عديدة لضمّ أبناء العشائر للقتال إلى جانبها، وهو أمر لم تنجح فيه كثيراً، باستثناء «جيش الصناديد» (التابع لحاكم «مقاطعة الجزيرة» حميدي دهام الجربا - أحد زعماء قبيلة شمّر في الحسكة). هذه الأرقام تكشف أن تحالف «قوات سورية الديمقراطيّة» تبدو فيه الهيمنة الكرديّة واضحة عدداً وقراراً، وبالتالي لم ينجح في مهمته حتى الآن إلا في تظهير نفسه إعلامياً كقوّة سورية تخطّت «المشكلة العرقية».
من هنا يبدو أن التقاء المصالح الأميركيّة ــ الكردية، وحرص واشنطن على خلق حلف تواجه فيه التمدّد السوري ــ الروسي في الميدان، ولو مستقبلاً، يُظهر أنّ الورقة الكردية هي الورقة الأساسية، والوحيدة ربما، لمواجهة موسكو وحلفائها.




قال المتحدث العسكري الاميركي الكولونيل ستيف وارن، أمس، ان «القوى الديموقراطية السورية» و«مكونها العربي» استعادت اراضي مساحتها 255 كلم مربعاً من تنظيم «داعش» في منطقة الهول في شمال شرق سوريا. واضاف انه تقدم صغير لكنه «يدلّ على جدوى» برنامج الدعم الاميركي للتحالف العربي السوري الذي القيت له ذخائر في 12 تشرين الاول من طائرات اميركية.
وتابع ان الولايات المتحدة «شجعها» هذا التقدم وتريد «تعزيزه»، ملمّحاً بذلك الى عمليات جديدة لإلقاء ذخائر.