إعداد | لم يمض وقت طويل على تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن واشنطن «لن ترسل أي جندي الى المعارك السورية»، وهو الأمر الذي كرّره منذ بداية الأزمة، لكن، ها هو قبل ٦ أيام يعلن إرسال حوالى ٥٠ جندياً الى الميدان السوري. مساعي وزير الخارجية جون كيري و«استبساله» في إيجاد حلول دبلوماسية ووقف للنار قابلهما إعلان على لسانه بأن البنتاغون سيشارك في العتاد والعديد في المعارك السورية.


نيّات البيت الأبيض المعلنة إذاً لا تتفق مع قراراته. وقد فتح هذا «التناقض» الباب مجدداً في الإعلام للحديث عن «عدم وجود استراتيجية أميركية متجانسة لسوريا»، و«عدم وضوح الرؤية لدى أوباما». والجديد هذه المرّة إعلان صريح من قبل بعض الصحافيين أن خطوة الولايات المتحدة الأخيرة في سوريا ليست ضد «داعش» كما هو معلن، بل هي ضد العدو الأزلي... روسيا. كلّ ذلك، رغم إعلان أوباما أن المقاتلين لن يشاركوا في القتال على الجبهات بل إن صفتهم «استشارية» و«مساعِدة». لم يصدّق الكثيرون كلام أوباما هذا، ونعوا سياسة البيت الأبيض، حتى قال بعضهم «لن نجد مؤرّخاً واحداً قد يبدي إعجابه بإرث أوباما في السياسة الخارجية وكقائد للأمن القومي».
بداية، حول إعلان البيت الأبيض إرسال «قوة عمليات خاصة» الى سوريا، علّق البعض على توقيت الإعلان، إذ تزامن مع بداية انعقاد اجتماع فيينا. ففيما كان المجتمعون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأميركي، يسعون لـ«إيجاد حلول دبلوماسية للأزمة من خلال التوصل الى مخارج سياسية قابلة للتطبيق على المدى القريب»، كان البنتاغون يُعدّ جنوده وشحنات أسلحته الثقيلة للتوجّه الى سوريا! وعندما سُئل الوزير كيري عن هذا التوقيت أجاب بأن ذلك مجرّد «مصادفة».
استفزّ كلام كيري هذا بعض الإعلام، فكتبت صحيفة «ذي واشنطن بوست» في افتتاحيتها أن «الكلمة التي استخدمها الوزير كيري (مصادفة) عبّرت أكثر ممّا شاء عن الأداء الأميركي في سوريا، إذ إن بعض الأفعال التي صدرت أخيراً عن واشنطن لم تفشل فقط في وضع استراتيجية متجانسة، بل لم يدعم أي قرار صادر قراراً آخر تلاه». افتتاحية «بوست» وصفت قرار أوباما الأخير بإرسال القوات بأنه «محدود وضعيف». ونقلت عن بعض المسؤولين حسمهم بأن الخطوة تلك «لن تؤدي الى سقوط الرقّة في أي وقت قريب».
حتى قرار الادارة الأميركية إرسال ١٠٠ مليون دولار كمساعدات للمعارضة السورية، لم يلقَ ترحيباً هذه المرّة، إذ لفتت افتتاحية «بوست» ومحللون أن «المعارضة التي ستتلقّى المساعدة الأميركية لا تؤيد مقررات المجتمعين في فيينا حول الحفاظ على وحدة الأراضي السورية مثلاً، فالأكراد يريدون تشكيل دولتهم الخاصة المستقلة... والبعض الآخر لا يريد الحفاظ على مؤسسات الدولة كما هي». هناك إذاً «عدم تواصل وتنسيق» بين الجيش والدبلوماسية الأميركية، لذا، لا يستبعد البعض أن يؤدي ذلك «الى فشل الاثنين معاً».
سهام أخرى رُمي بها أوباما بعد قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا, هذه المرّة ذكّره البعض بما قاله أخيراً عن أنه «لا يريد أن تتحوّل سوريا الى أرض معارك بالوكالة»... لكن فعلياً «هذا ما قد حصل»، يعلّق الصحافي ديفيد إغناتيوس في «ذي واشنطن بوست»، ويشير الى غموض في الاستراتيجية الأميركية الجديدة. الصحافي يلفت أولاً الى أن «القوات الكردية التي قررت واشنطن دعمها والتعاون معها في مواجهة داعش تتهمها تركيا حليفتنا في الناتو بالارتباط بمجموعة إرهابية». كيف سينجح ذلك التعاون الأميركي ــ الكردي إذاً؟ «لا جواب في الأفق بعد»، يقول إغناتيوس.
الغموض الآخر يكمن حسب الصحافي في المجموعات الإسلامية التي تقصفها روسيا في سوريا، «تلك المجموعات مدعومة بالسرّ من قبل واشنطن وتركيا والأردن، وهي تتباهى باستخدام أسلحة أميركية في ردّها على الروس». الوضع، حسب الكاتب، شبيه بظروف ولادة «حرب روسيا (السابقة) في أفغانستان». الى أين تتجه الأمور إذاً؟ لا جواب أيضاً عند إغناتيوس.

بوتين هو السبب

«أمَرَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الجمعة الماضي بإرسال قوات أميركية للقتال في سوريا»، كتب دايفد روثكوف في مجلة «فورين بوليسي». طبعاً، البيت الأبيض لم يعلن ذلك حرفياً، لكن الكاتب يرى أنه «لو لم يتدخل بوتين مباشرة في سوريا لما كان تحرّك أوباما ليرسل قواته لدعم معارضي داعش والأسد من الحلفاء».
«جنون تام»، هكذا وصف محللون آخرون الوضع الجديد في سوريا، إذ، في رأيهم، بدل أن تعمل واشنطن وموسكو على تهدئة الصراع، ها هي الطائرات الروسية تقصف القوات التي تدرّبها الولايات المتحدة في الشمال والجنوب السوريين، فيما ترسل واشنطن ترسانة صواريخ وجنود في تصعيد واضح ضد... الروس! روثكوف يذكّر بأن أوباما «عاند» مستشاريه خلال السنوات الثلاث الماضية ورفض إرسال الجنود الى سوريا، «لكن التدخل الروسي الأخير قلب ميزان القوى» ودفع أوباما الى اتخاذ قرار مغاير. لكن هل إرسال ٥٠ جندياً أميركياً يمكن أن يقلب المعادلة على الأرض؟ طبعاً لا، فالقاعدة تقول إنه «عندما يكون العمل العسكري صغيراً الى حدّ لا يمكّنه من تحقيق الهدف العسكري، فهذا يعني أن الهدف منه سياسي»، يشرح مقال «فورين بوليسي». هدف أوباما السياسي، حسب روثكوف، هو «مواجهة الانتقادات والضغوطات التي طالت إدارته بسبب عدم التحرّك في سوريا، خصوصاً بعد الحملة الروسية». يريد الأميركيون أيضاً أن يقولوا للروس إن «الولايات المتحدة موجودة، وإن باستطاعتها أن تصعّب الأمور عليهم أكثر».
إذاً، الأمر ليس سوى ردّ فعل أميركي على التدخل الروسي. هذا ما أقرّه معظم المحللين وما نبّه منه البعض أيضاً، إذ إن «الفعل بردّ الفعل» ليس كافياً في السياسة الخارحية، وعلى أحد الأطراف أن يظهر شجاعة كافية لأن يقوم بالخطوة الأولى التي تتوافق مع اقتناعاته وأولوياته، نصح البعض الإدارة الأميركية.




صواريخ جوّ ـ جوّ

أرسل البنتاغون الى قاعدة إنجرليك في تركيا أخيراً حوالى ١٢ مقاتلة من طراز «إف١٥ سي إيغل» F15 C Eagle، وهي مقاتلات مختصة في المواجهات الجويّة، والأولى من نوعها في المنطقة، ما دفع البعض الى السؤال لماذا قد تحتاج القوات الأميركية الى مقاتلات مزوّدة بصواريخ جوّ ـ جوّ لاستهداف «داعش» على الأرض؟ المتحدثة باسم البنتاغون لاورا سيل قالت لموقع «ذي دايلي بيست» إن المقاتلات «ستقوم بحماية حلفائنا في الناتو»، أي الطائرات التركية. لكن الموقع يضيف أنها «على الأرجح لمواكبة الهجمات الجويّة الأميركية على «داعش» وحمايتها لدى اقترابها من الطائرات الروسية وتحليقها فوق مناطق القوات السورية». «لم أقلّ إن الأمر لا يتعلّق بروسيا!»، علّقت سيل ملمّحة.