غزة | ليس البشر وحدهم من يستشعرون الحب، بل السيارات المعدنية تفعل ذلك على ما يبدو حينما تجد من يبادلها إياه. السيارة الغولف مثلاً، الحمراء منها تحديداً، حسب السائق محمد الخضري ( 28 عاماً ) صاحبها. هي سيارة «غولف جوكر 99»، ولأجل عينيها الزجاجيتين يُفضّل صاحبها التقاط صورة لها لإرفاقها بالمقالة بدلاً منه. فهي البطلة الحقيقية، في نظره لا هو، التي تستحق كل الاحترام! ومنبع العرفان أنها كانت «فاتحة الرزق» في حياة السائق محمد الخضري، وبفضلها استطاع تأمين معيشته، ومساعدة شقيقه الأكبر في زواجه. من ضرعها وما يدرّه عليه أيضاً أثّث بيته وأعدّ ترتيبات زواجه بكاملها.


«والله ما حدا وقف جنبي غيرها»، يلفظ هذه الجملة وكأنّه يتحدث عن صديق نبيل يحمل في قلبه من المثل العليا ما يكفي ليتحدث عنه مملوءاً بكل ذاك الامتنان. وبرغم انفعاله لحظتها، والصوت المعدني الذي أحدثه طرقه على هيكلها حين ينفعل، ما كان يجب أن يذكّره بأنه يتحدث عن «مكنة»، إلا أنه استمر بالحديث عنها كأنّها من لحم ودم ومشاعر وقلب ينبض بالدماء أكثر من البشر. لا بل إنه بدا بإصراره كأنه يحاول نفي أيّ أقاويل أو إشاعات مغرضة تتهمها بالخلو من الشعور الإنساني. فتارةً يمتدح منفعلاً جودة محركها ولكن بلغة الأحياء: «بفتكر بس مرة أو مرتين قالتلي عيّانة»، وتارةً أخرى يمتدح سرعتها وانسيابها أثناء القيادة. أما نظراتنا المشككة والساخرة، فقد دفعته فقط إلى أن يقُسم قسماً مغلّظاً أنه «والله لو بيوم طلعت مع صاحب، بترجعلي زعلانة»!
يروي «العاشق» قصة شرائه السيارة؛ «ما كان إلها أخت في غزة، لونها أحمر بلحي حلو ـــ أي بلون البلح الاحمر الناضج ـــ وكان ما في سائق ما بيتمناها، بس صاحبها كان يرفض كل العروض»، إلى أنّ أغرى والدة صاحبها بـ«رشوة» بمبلغ 200 دولار لو نجحت في إقناع ولدها ببيعها له. هكذا، اشتراها. وأخذ «ابن الخضري»، كما يناديه زملاؤه السائقون، يتفاخر بشرائها بثلاثة آلاف دولار. هو نوع من «مهر» إذاً؟ ينفجر صاحبنا بالضحك.
هي التفاصيل ذاتها التي لا يمكنه البوح بها إلا من خلف مقود السيارة. فاستشعاره الطمأنينة داخلها يجعل الحديث مريحاً أكثر من أي مكان آخر! ومن هنا جاءت طقوس اهتمامه بتلك الآلة المعدنية المحظوظة، بدءاً من حمّامها اليومي الساعة الثالثة عصراً، ما يُشعل الغيرة في قلب زوجته لثلاث ساعات طوال مكرّسة للغولف، وانتهاءً بتزيينها وتلميعها والحرص على صحة موتورها. أما غيرة الزوجة؟ فيستغربها الخضري لأن عليه أن يقدم لها من الاهتمام بقدر ما تقدم له من خدمة.
ولكل موسم عناية مختلفة به. ففي أيّام الحر الشديد يمتنع عن قيادتها، وإذا ما خرج بها عاد مسرعاً ليفتح غطاءها لساعات لتستعيد طاقتها من جديد. أيضاً في أيام المطر الشديد يمتنع عن الخروج بها، خوفاً من تعطل عفشة السيارة. وبالطبع يحفظ شكل كل برغي ونوعه ومكانه، الأعطال المحتملة وغير المحتملة، وهو الميكانيكي الخاص بها وليس سواه. وإن شكا له أحدهم عطلاً في سيارة «قريبة» للغولف المحظوظة التي يقتنيها؟ سريعاً يُشير عليه بالحل، دون أن يرى حتى غولف صديقه المعطّلة!
هذه العلاقة الاستثنائية يراقبها باهتمام كل من حوله، أصدقاؤه، زوجته وأولاده، أشقاؤه، ووالدته التي بكت بكاءً مرّاً حينما اضطرته الظروف ذات مرة إلى التفكير في بيعها، حتى ردّ عن ذلك، مذكّراً نفسه بسيارته الأصيلة: «اللي بتعرفو أحسن من اللي ما بتعرفوش»، وما زالت حتى اللحظة تلك الغولف مفتاحه وبوابته معاً، بل هي في نظره عالمه الخاص الذي يكتشف من خلاله الحياة.