غزة، رام الله ــ الأخبار

إيهاب أبو ندى (17 عاماً) كان واحداً من أولئك الشباب الفلسطينيين الحالمين بحياة أفضل. بغض النظر عن الاحتلال والانقسام وضياع القضية بين ثنايا الأنظمة الكبرى والمحاصصات الداخلية. كان إيهاب يكفيه أن يؤمن قوت يومه ليخط به مسار حياة وسط الموت المحيط به. غير أن مثل هذا الحلم البسيط كان مستعصيّاً على التطبيق إلى درجة دفعت الشاب إلى يأس أخذه إلى انتحار احتجاجي، على غرار مشعل شرارة «الربيع العربي» محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه في ساحة سيدي بوزيد.

إيهاب بحث عن ساحة مماثلة في قطاع غزة، فلم يجد إلا باحة مجمع الشفاء الطبي في وسط قطاع غزة، علّ قربه من المستشفى يسهم في إنقاذه مبكراً وإيصال رسالته في الآن نفسه. غير أن الأمر لم يتم، فقبل ثلاثة أيام، سكب إيهاب البنزين على نفسه وأضرم النار في جسده، الذي لم يستجب لمحاولات العلاج، ليفارق الحياة أمس.
والدة إيهاب تتذكر كلماته الأخيرة، «بدي أودعك يا أمي أنا راحل من الدنيا دوّرت على شغل ما لقيت». تروي الأم كيف سعى ابنها إلى البحث عن عمل للمساعدة في تحمّل تكاليف الحياة على العائلة المكونة من ثمانية أفراد، إضافة إلى الأب والأم.
سفيان (40 عاماً)، والد إيهاب، يروي تفاصيل الحادث قائلاً «أدى صلاة الظهر في المسجد القريب من المنزل وخرج ليبحث عن عمل، وأخذ من أمه قبل الخروج 2 شيكل وعاد الى المنزل جثة متفحمة». وأوضح «علمنا بالحادث يوم الخميس الماضي، وذهبت أمه إلى المستشفى للبحث عنه، فأخبروها أن هناك مجهولاً أحرق نفسه، قد يكون ابنك، فتعرفت إليه، وكانت نسبة الحروق 85%».
وتابع سفيان «ابني كان طالباً في المرحلة الثانوية العام الماضي وخرج من المدرسة ليساعدني في دفع إيجار المنزل. أنا أعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية في الدفاع المدني، والآن أجلس في المنزل وراتبي لا يكفيني، لأنني أعيل ثمانية أفراد وعليّ قروض للبنوك. أتقاضى 2100 شيكل أدفع منها 700 شيكل لإيجار البيت، وأسدد قرضاً للبنك، ويبقى من راتبي فقط 200 شيكل، وهو لا يكفيني للعيش». وأضاف «إيهاب كان يعمل بائعاً متجولاً على أبواب المساجد والمتنزهات والأسواق، وعمل قبلها في مطعم يغسل الصحون لمدة 13 ساعة يومياً مقابل 30 شيكلاً وأحياناً لا يوجد عمل في المطعم فيذهب للبيع في الشوارع، وأحياناً أخرى يجلس في البيت». وأكد أن «شرطة البلدية في غزة (التابعة لحكومة حماس) كانت تلاحقه حين يبيع في الشوارع أو المتنزهات وتمنعه من البيع».
وقال أشرف القدرة، المتحدث باسم وزارة الصحة في حكومة حماس، لفرانس برس، إن «مجموعة من المواطنين أحضرت شاباً الى قسم الاستقبال في مجمع الشفاء الطبي يوم 28 آب/أغسطس وهو يعاني من حروق شديدة، وجرى التعامل معه طبياً وإدخاله الى قسم العناية المركزة في المستشفى لأن حالته كانت حرجة جداً، الى أن توفي ليل الاحد».
من جهته، قال أيمن البطنيجي، الناطق باسم شرطة حماس في غزة، إن «الشرطة فتحت تحقيقاً في الحادث لمعرفة الأسباب».
وعلى المقلب الفلسطيني الآخر، الأوضاع المعيشية ليست في أحسن حال. فتحت شعار «هرمنا» وغيرها من الشعارات، انطلقت فعاليات احتجاجية متعددة ضد غلاء الأسعار في السوق الفلسطيني، وذلك بعد موجة الارتفاعات الجديدة التي شهدتها الضفة الغربية بداية أيلول.
ففي بيت لحم، نظمت مجموعة شبابية فعاليتين احتجاجيتين؛ الأولى أمام مخيم الدهيشة للاجئين والأخرى في الدوحة، تضم مجموعة من الشباب الفلسطيني المطالب بالحد من غلاء أسعار المواد الأساسية. بدوره، أكد أحد الناشطين في هذه الفعاليات الشبابية محمد لطفي أن هاتين المسيرتين ترفعان شعارات متعددة ضد الغلاء، آملاً أن تحظى باهتمام المسؤولين، إذ يقول: «أنا متأكد أن هذه الاحتجاجات سوف تأتي بنتيجة، وذلك لأن المواطن قد سئم هذه المرة من الارتفاعات المتتالية في أسعار المواد الأساسية وسوف يستمر باحتجاجاته هذه إلى حين الاستجابة لمطالبه».
وأضاف لطفي: «لقد وصل الغلاء إلى حد غير معقول، حيث وصل ليتر البنزين إلى 8.5 شيكلات، كما سيصل سعر ربطة الخبز إلى 5 شيكلات، بينما تعد هذه من المواد الأساسية التي يجب أن تدعمها الحكومة، إذ يشير القانون الفلسطيني إلى وجود 78 مادة تموينية أساسية يجب أن تدعمها الحكومة، ولكن للأسف فإن ذلك لا يطبق». وقال: «نحن نطالب الحكومة الفلسطينية ونقول لها (ارحموا هذا الشعب لأنه في ضيق حيث إن كل الأسعار ترتفع وراتبه يبقى كما هو) فما الحل، لهذا فنحن لن نتوقف عن هذه الاحتجاجات، بل سوف نستمر بها إلى حين الحد من هذا الغلاء».