الدار البيضاء | عشية إعلان نتائج الانتخابات التي جرت في المغرب في 25 تشرين الثاني 2011، والتي بوّأت حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي الصدارة، كانت كل المؤشرات تدلّ على أنّ الثقة مفقودة بين الإسلاميين والقصر. وكان القصر الملكي يحاول دائماً أن يلعب على الانقسام داخل صفوف الإسلاميين، فيوظف المعتدلين منهم لتعزيز شرعيته الدينية، ويضيّق على المعارضين له من بين صفوفهم، لكن من دون أن يقضي عليهم حتى لا تفرغ ساحة المعارضة لتيارات معارضة أخرى يسارية أو غيرها.


الحالة المغربية هذه كانت تشبه الى حدّ بعيد حال جميع الدول العربية ما قبل الربيع، وإن كان لكل بلد خصوصيته؛ ففي هذه الدول كانت السلطات الحاكمة مستبدة وغير منتخبة، تنظر إلى الإسلاميين، الذين ينازعونها في شرعيتها الدينية وينافسونها على شرعيتها الشعبية في الشارع، كألدّ خصومها.
اليوم، بعدما فُتح الباب لبعض الإسلاميين للمشاركة في السلطة بالمغرب، لا يزال يُطرح السؤال عن موضوع الثقة بين القصر الملكي والإسلاميين. قبل اندلاع ثورات «الربيع العربي»، نقلت إحدى برقيات «ويكيليكس»، نص محادثة بين الملك محمد السادس وسيناتور أميركي، ونسبت إلى ملك المغرب تحذيره لضيفه الأميركي من الإفراط في الثقة في الإسلامييين، مخاطباً إياه: «لا بد لي أن أقول لك شيئاً مهماً. عندما نتحدث عن الإسلاميين، سواء المعتدلون أو المتطرفون، فإنهم جميعاً مناهضون للولايات المتحدة». وأضاف الملك محذراً ضيفه: «لا تنخدع، فقط لأنهم يبدون مسالمين وطيبين. إنهم يبدون متعقلين. لكن يتعين على الولايات المتحدة أن لا تكون لديها أوهام بشأنهم. أنهم معادون لأميركا».
ورغم ما أثاره تسريب هذه الوثيقة من ضجة ونقاش على المستوى الإعلامي، فإنه لم يصدر أي رد أو توضيح من القصر الملكي أو السفارة الأميركية في الرباط. أما حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي، فقد انقسم ما بين مشكك في صحة ما ورد في تلك البرقية، وفي مقدمتهم عبد الإله بنكيران (رئيس الحكومة الحالي)، ومن طالب الديوان الملكي بضرورة إصدار توضيح لنفي ما جاء في البرقية، وكان هذا رأي مصطفى الرميد (وزير العدل الحالي).
العلاقة بين القصر وبعض الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي، لم تكن تنتظر برقية من «ويكيليكس» كي تزداد توتراً. علاقة أسهم بتأجيجها الى حدّ كبير الولايات المتحدة، التي أطلقت حربها ضد «الإرهاب الإسلامي» بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وهو ما استغلته الكثير من الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي للقضاء على خصومها الإسلاميين. ولم يشذّ المغرب، بدوره، عن هذه القاعدة.
فقد استغل القصر التفجيرات الإرهابية التي عرفتها الدار البيضاء عام 2003، والتي لم تتبنّها حتى الآن أي جهة، ليضيَّق الخناق على الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين، معاً. وطوال العشر سنوات الماضية، قاد الإعلام الرسمي المغربي، أو ذاك المحسوب على جهات رسمية، حرباً بالوكالة على الإسلاميين، وكان المستهدف في هذه الحرب حزب «العدالة والتنمية»، لأنه كان الحزب الوحيد الإسلامي المعترف به رسمياً، ولأنه قبل الدخول في اللعبة السياسية، وبالتالي فهو يشكل خطراً أكبر على السلطة من التيارات الإسلامية التي لا تخفي خصومتها لها.
وبلغت الخصومة بين الحزب الذي يقود الحكومة اليوم وأجهزة السلطة إلى حد صدور دعوات تطالب بحله. بعضها صدر على صفحات صحف مقرّبة من السلطة، وبعضها الآخر عبّر عنه سياسيون ينتمون إلى أحزاب يسارية موالية للسلطة. لكن سرعان ما تحولت الحرب بالوكالة إلى صراع مفتوح بين الإسلاميين والقصر من خلال ذراعه الحزبي، «الأصالة والمعاصرة»، الذي أسسه صديق الملك، مستشاره الحالي، فؤاد عالي الهمّة، لمحاصرة المدّ الإسلامي. وفي فترة وجيزة استطاع هذا الحزب أن يحصل على غالبية المقاعد داخل مجلسي البرلمان، ومع ذلك ظلّ يضع رجلاً في الحكومة لمراقبة عملها من الداخل، ورجلاً في المعارضة لمحاصرة الإسلاميين، كي لا تبقى ساحة المعارضة فارغة أمامهم.
كانت خطة السلطة واضحة تتمثل في محاصرة المدّ الإسلامي، من خلال الاعتقالات والمحاكمات للإسلاميين «المتطرفين»، والمضايقات والتزوير ضد الإسلاميين «المعتدلين». لكن ما لم يكن في حسبان هذه السلطة، هو اندلاع شرارة الثورات العربية في جسد محمد البوعزيزي في قريته التونسية الفقيرة سيدي بوزيد.
انفجر حراك شعبي عمّ المنطقة كلها، ووصلت شظاياه إلى المغرب، وبدلاً من أن يقف الحزب الإسلامي، الذي كان مضطهداً ومهدداً في وجوده، إلى جانب الحراك الشعبي، اختار الاصطفاف وراء السلطة والدفاع عنها في وجه الحراك، الذي كان الحزب أكبر المستفيدين من ثماره. سعى إلى تحسين صورته عند السلطة، وتقديم نفسه حليفاً لها يمكن الاعتماد عليه وقت الشدة.
أما السلطة، فوجدت في دعم الإسلاميين لها «خشبة النجاة» من تسونامي الربيع العربي. سمحت بأن تجري الانتخابات في جوّ من «النزاهة المراقبة»، ما أتاح للإسلاميين تصدر نتائجها، وتولي الحكومة. هدفها من وراء ذلك كان تهدئة الشارع وتعميق الشرخ داخل صفوف الإسلاميين، الذين كان نصفهم المعتدل يدعم السلطة، فيما النصف الآخر، وربما الأكبر، يعارضها.
وما إن بدأ الشارع يهدأ، حتى بدأت الحرب تستعير من جديد بين السلطة والإسلاميين، الذين أصبحوا يقاسمونها بعضاً من تلك السلطة. لقد استعملت السلطة في السابق الإسلاميين كفزاعة لتخويف الغرب منهم، وفي نفس الوقت لتبرير استبدادها وفسادها. ومع مرور الوقت، لم تسقط هذه الفزاعة إلا في ذهن من تخيلوا أن سلطة مستبدة يمكن أن تقبل أن يشاركها الآخرون سلطاتها.




شبيبة «العدالة والتنمية» ينتقدون


طرح الشباب الإسلاميون في حزب «العدالة والتنمية»، في مؤتمر استمر أسبوعاً، تساؤلات عدة، ولم يتردّدوا في توجيه انتقادات لحفل الولاء للملك والحكومة التي يقودها حزبهم.
والملتقى الوطني هو الثامن لشبيبة الحزب، والأول منذ تعيين عبد الاله بنكيران (الصورة) رئيساً للحكومة، عُقد تحت شعار «شباب مع الإصلاح ضد الفساد» واستمر سبعة أيام من 26 آب إلى الأول من أيلول.
كذلك حضره ضيوف من فلسطين ومصر وتونس، ووزراء ومسؤولون في الحكومة والحزب. لكن السلطات منعت حفل الختام بحضور ابن كيران «لدواعٍ أمنية ولحفظ النظام». ورأى مسؤولون في «العدالة والتنمية» أن هذا القرار «عمل انتقامي من اعمال الحزب»، ويعتبر «اهانة لحزبنا».
وقد طرح الشباب تساؤلات مثل: من يحكم في المغرب حزب العدالة والتنمية أم الملك؟ ماذا عن استمرار مظاهر حفل الولاء؟ هل يجوز العفو عن المفسدين؟ كيف ننجح في مشروع نهضوي مع تلون المواقف في السلطة؟ واعتبر أحد الشباب أن «الاسلاميين لم يصلوا الى الحكم، بل وصلوا الى الحكومة، والدليل هو حفل الولاء الذي يمس في باطنه الجانب الديني للمغاربة».
(أ ف ب)