يبدو أن لندن قد صاغت ملامح رؤية استراتيجية جديدة لكيفية تعاطيها مع المنطقة العربية، وسمتها أنها تمزج بين ثقافتي رئيس الحكومة ديفيد كاميرون «البراغماتي ذي الواقعية الشديدة» ووزير الخارجية المؤرّخ وليام هيغ، الذي «يربط جميع القضايا بالتاريخ». وقد اطلعت «الأخبار»، على وقائع عن النقاش البريطاني، الجاري حالياً بين اتجاهين في وزارة الخارجية حول ما إذا كان يجب تبني استراتيجية دعم وصول الحركات الإسلامية في الدول العربية، الى الحكم وعدم تبنيه.


واستدراكاً، يتضمن هذا النقاش اجراء محاكمة لكل السياسة البريطانية السابقة في المنطقة، وتحديد ثوابت تعاطي جديدة. وقائع هذا النقاش عرضه دبلوماسي رفيع المستوى مخضرم في الخارجية، في لقاء خاص مع نخبة من أصدقائه الدبلوماسيين من دول شرق أوسطية.
رأيان بريطانيان يتصارعان
مصدر دبلوماسي، حضر اللقاء، نقل عن الدبلوماسي البريطاني، قوله إن هناك حالياً داخل مستوى الحكم في لندن، رأيين يتصارعان بشأن التيارات الإسلامية: الأول «متفائل» بالنظر الى جدوى دعم الحركات الاسلامية للوصول الى الحكم في دولها ضمن حراك الربيع العربي. وفرضيته أنها «لن تستطيع فرض جدول عملها المتشدد الخاص، وستضطر خلال وجودها في الحكم الى انتهاج سياسة وسطية مبنية على أسس ديموقراطية، حتى تستطيع البقاء في السلطة، وخاصة في ظل أوضاع بلدانها الاقتصادية المتردية».
الرأي الثاني «متشائم»، ويحذر من«الوثوق بالأحزاب الإسلامية، لأنها قد تتظاهر بتطبيق سياسات مرضية للغرب، ومن ثم تقوم بفرض جداول عملها الخاصة، بعد ان تستجمع القوة السياسية والاقتصادية والأمنية اللازمة لتطبيقها».
ويلفت الدبلوماسي البريطاني إلى أن الاتجاه الأول يحصد تأييداً أقوى داخل القرار السياسي البريطاني، رغم استمرار الحذر العام بشأنه. ويكشف عن أن «بريطانيا بدأت بالفعل التواصل مع بعض قيادات التيار الاسلامي في الدول العربية، والشرق أوسطية بعامة».
نظرية «اللاتعميم»
ويقوم المنطق المطالب بدعم الاسلام السياسي، على نظريات عديدة مستجدة في النظرة البريطانية الى المنطقة، منها أنّ «من الخطأ تعميم الرفض الغربي على كل التيارات الإسلامية، لأن لكل دولة عربية قضاياها المحلية الخاصة بها والمغايرة عن الأخرى». كذلك من «الخطأ اقتصار علاقات بريطانيا مع دول المنطقة، على حكوماتها، بل يجب ان تشمل باهتمام أكبر، هيئات المجتمع المدني». كذلك يجب ايضاً، «عدم تعميم نفس أسلوب التعاطي مع القضايا العربية الداخلية، لأن لكل دولة عربية قضاياها الخاصة وخصوصياتها».
ويخلص أصحاب هذا الرأي، الى صياغة خيار أو «رؤية» استراتيجية للتعاطي مع المنطقة، ومفاده أنه «لا يمكن تطبيق مشروع واحد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، (في نقد مبطن للرؤية الأميركية)، نظراً إلى اختلاف المعايير والقضايا وتنوع الثقافات والأعراق في المنطقة».
وتوصي هذه الرؤية، بالسياسات العملية التالية: الإقرار بأن «سياسة العصا والجزرة لم تعد تجدي في الشرق الأوسط، ومن الضروري ممارسة ضغوط دبلوماسية على بعض الدول للحصول على النتائج المطلوبة»، (على سبيل المثال حتى اسرائيل رضخت للضغوط الدولية ضد استعمالها جوازات سفر لدول غربية لتنفيذ عمليات استخبارية أمنية على نحو ما حدث في دبي، وأيضاً مع إيران بشأن برنامجها النووي). لكن الدبلوماسي أشار الى أنه «يجب التلويح باستخدام القوة العسكرية في بعض الحالات عند التفاوض مع بعض الأنظمة المستبدة، ويعتبر ما حدث في ليبيا نموذجاً في هذا الإطار».
في إطار آخر يجب «التركيز على المحافظة على كرامة المواطن العربي، حسب ظروف كل دولة، لدى صياغة التعبيرات العملية للسياسة الخارجية البريطانية في المنطقة»، والتشدد في آلية «اتخاذ القرارات، وعدم الاهتمام بردود الفعل عليها عند الرأي العام».
كذلك يجب «التركيز على عملية السلام في الشرق الأوسط بخاصة، ولا سيما أنه أمر له شعبيته في بريطانيا، بدليل أن ٢٠ في المئة من أسئلة النواب البريطانيين للحكومة تتمحور حول السلام، وثلاثين في المئة من بين مجموع أسئلة المواطنين اليها». وتوصي الدبلوماسية الجديدة بأن على «السياسة البريطانية في الشرق الأوسط التشدد بمراعاة أمرين اثنين: الأول ضرورة إشراك الشعوب العربية في عملية التحول الديموقراطي في بلدانها، لضمان كسب الشرعية اللازمة لأي حكم يتطلع للاستمرار والاستقرار. الثاني، اتباع سياسة نفس طويلة، إدراكاً بأن العملية الانتقالية في دول الربيع العربي، ستكون طويلة الأمد تستمر عدة سنوات».
ويكشف الدبلوماسي البريطاني عن وجود مراجعة نقدية في خارجية بلاده، لمُجمل السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، التي اتّبعت خلال السنوات العشر الأخيرة، وبموجبها لُحظت ثُغَر هامة، منها انه خلال الفترة الآنفة، تركز ٦٠ في المئة من الجهد الدبلوماسي البريطاني على العراق، والآن هناك وعي لأهمية كل دولة عربية على حدة، والتعاطي معها بحسب خصوصياتها واحتياجاتها.
وبات للسياسة الخارجية حالياً رؤية واضحة عن احتياجات دول الشرق الأوسط، وأُنشئ صندوق بمسمى الشراكة العربية لوضعه بتصرف تنفيذ هذه الرؤية، ويبلغ رأسماله١١٠ مليون جنيه استرليني، لتمويل خطة استراتيجية لدعم جهود الاصلاحات في المنطقة العربية على مدى السنوات الأربع المقبلة.
ولعل ما يعزز فرضية هذه التحولات في السياسة البريطانية الخارجية، حسبما يرى الدبلوماسي، هو أن لندن «باتت تعارض بقوة بعض سياسات الاتحاد الأوروبي».