تونس | من كل مدن وقرى تونس جاء أنصار حركة النهضة إلى ساحة الحكومة في القصبة ظهر أمس، للتظاهر ضغطاً على الحكومة من أجل المزيد من «الكبس»، حسب المصطلح التونسي، الذي يعني «الحزم» في مكافحة الفساد، وتطهير أجهزة الدولة من «أزلام» النظام السابق.

حملة «اكبس» التي دعا اليها الشاب مصعب بن عمار وتبنتها «النهضة» وكتلتها في المجلس الوطني التأسيسي، وتجندت مكاتبها الجهوية والمحلية لإنجاحها، بدا واضحاً أن المقصود منها إعادة الروح إلى قواعد النهضة وتجييشها للدفاع عن الحكومة، التي أجمعت كل القوى الوطنية على فشلها في ايجاد مخرج حقيقي للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وفي تحقيق أهداف الثورة، او على الأقل تقديم رسائل اطمئنان إلى الشعب الغاضب. وأعطت التظاهرة مؤشراً إلى مدى انحدار شعبية الحزب الحاكم، فرغم المشاركة الجيدة، التي تجاوز عدد المشاركين فيها بين خمسة آلاف شخص إلى عشرة الاف، في وقت كانت فيه النهضة تراهن على تظاهرة مليونية، الا أن هذا العدد اعتُبر قليلاً قياساً بشعبية الحركة قبل الانتخابات.
وبدا واضحاً تخلي الذين شكلوا حزامًا للنهضة من خارج قواعدها، من الذين اعتقدوا أن لديها القدرة على تخليص البلاد من أزماتها، عن الحركة. وقد ثبت ذلك من خلال استطلاعات الرأي، التي أكدت تراجع شعبية النهضة، حتى إن تقريراً أميركياً أكد أن نسبة التراجع وصلت إلى ٣٠ بالمئة، كما ارتفعت الأصوات التي تطالب بحكومة وحدة وطنية، بعدما تبين فشل الترويكا في إدارة المرحلة الانتقالية الثانية. وقد توالت المبادرات لتجاوز الأزمة التي تعيشها البلاد، وأجمعت على فشل النهضة، ومن ورائها الترويكا في إدارة المرحلة الانتقالية، مع تفاقم الاحتقان الاجتماعي في كل الجهات.
هذه الأزمة التي تواجهها النهضة، عمّقها الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي، الذي اتهم علناً حركة النهضة «بالتوغل» وإعادة انتاج نمط بن علي في الحكم، إضافةً إلى اعتراضه على طريقة إدارة النهضة لملف الاعلام. هذا الضغط التي تواجهه النهضة كان لا بد من امتصاصه، وذلك لا يمر الا عبر تجييش قواعدها في كل الجهات، وإقناعها بخطورة «المؤامرة» التي تواجهها النهضة وضرورة مساندتها من قواعدها اولاً ومن الشعب الذي يريد «تطهير البلاد» من «أزلام» النظام السابق»! واستعملت في التظاهرة المنظمة «بشكل استعراضي»، حافلات النقل العمومي بنفس الطريقة التي كان النظام السابق يستعملها والتي لم تقنع الشارع الذي بدا غير معني باستعراضات الحزب الحاكم، الذي أعاد «تدوير الفساد» كما قال عدد من الناشطين.
الناشطة والصحافية التي أزعجت بن علي منذ أيامه الاولى في الحكم ام زياد، عدّت هذه التظاهرة «مسرحية لم تعد تنطلي على احد»، وهو نفس موقف معظم الاحزاب السياسية. ويستند هؤلاء إلى اعتماد حركة النهضة على الكثير من رموز العهد السابق، بل حتى من الفاسدين حسب قولهم، وذلك في القطاع البنكي والإعلامي والسجون وغير ذلك، وبالتالي فإن نية مقاومة الفساد أصبح مشكوك فيها! المتظاهرون الذين جاؤوا من كل الجهات وقادهم القيادي المحسوب على التيار المتشدد في الحركة الحبيب اللوز رفعوا شعارات تدعو إلى القطع مع العهد السابق، وتطهير البلاد من الأزلام ... لكن السؤال الذي غاب عنهم ربما وحضر لدى معارضيهم هو من عيّن بعض «الأزلام» في مناصب قياديّة، ومن تستر على ملفات فساد بعض رجال الاعمال من الداعمين للنهضة؟
القناعة التي تكاد تكون راسخة في الشارع التونسي اليوم هي أن كل من يساند النهضة يصبح «نظيفاً»، وكل من يعارضها سيكون آلياً من «الأزلام». والسؤال الان كيف ستواجه النهضة استحقاقات ٢٣ اكتوبر، الذي بدأت الاحزاب تعدّه موعداً لنهاية الشرعية؟