في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، البالغ عددها ثلاثة عشر، يبدو المشهد صادماً إلى حدٍ بعيد. ففي الوقت الذي لا تزال فيه الفصائل الفلسطينية اليسارية والقومية والعلمانية تتخذ موقفاً مناهضاً لـ«الثورة السورية»، فإن تياراً راديكالياً متعصباً يرى أن ما يجري في سوريا «منحة إلهية» لمقاتلة «العلوية الشيعية». وهذا ما دفع بأحد أقطاب ما يسمى بـ«السلفية الجهادية» للوقوف وسط مخيم البقعة، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن والشتات، قبل أقل من شهرين، ليعلن الجهاد المقدس في سوريا ويلتحق بنفسه بتنظيم «نصرة بلاد الشام»، باعتباره المرجعية التنظيمية التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا ولبنان.

وهذا ما أعاد التأكيد عليه أحد أكبر قيادات السلفية الجهادية «أبو سياف»، في احتفالٍ عقد في مدينة معان (حوالي 220 كيلومتراً جنوب عمان)، بعد اجازة عيد الفطر ليعلن أن أكثر من 100 مجاهد من تنظيمه يجاهدون الآن في سوريا تحت لواء تنظيم نصرة بلاد الشام.
وبالنظر للمشهد السياسي داخل المخيمات في الأردن، يمكن ملاحظة تشكل معسكرين متضادين، أحدهما يرى أن ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة دولية وعربية، تستهدف النيل من وحدتها ودورها الوطني والقومي والاقليمي. ويمثل هذا المعسكر القوميون واليساريون والعلمانيون والفصائليون السابقون. ويتبنون قاعدة تقول إن مشكلتنا كفلسطينيين وكعرب ليست مع سوريا أو مع الشيعة العرب وإنما عدونا الأساسي والرئيسي إسرائيل، وإن ما يجري في سوريا لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني.
وينشط هؤلاء بالتعبير عن مواقفهم من خلال استخدام وسائط الاعلام الاجتماعي الجديدة وتحديداً «الفايسبوك». فلا يزال استخدام «تويتر» في أضيق حدوده في المخيمات، ويتم تنظيم مجموعات على هذه الشبكه لتبادل المعلومات والبيانات والمواقف.
أما المعسكر الثاني، فتتنازعه توجهات أقرب إلى التيارات الدينية، أو اصحاب مواقف شخصية اكتشفوا فجاة انهم من انصار الحريات والديموقراطية في سوريا.
وتعد التيارات الدينية الأكثر تأثيراً حيث برزت ثلاثة تيارات راديكالية أصولية تتفق جميعها على هدف واحد وهو العمل ما أمكن لتقديم أي مساعدة «للمجاهدين في سوريا»، في مواجهة النظام السوري «الكافر والطائفي والعلوي» على حد ما يرددونه في خطاباتهم لاستمالة المواطنين لما يروجون له.
التيارات الثلاثة التي تعمل جميعها بمعزل عن الأخرى هي جماعات الاخوان المسلمين، والسلفية المحافظة «الوهابيون الحكوميون»، والسلفية الجهادية.
ويُلاحظ أن الخطاب الديني عاد مرة أخرى في الأزمة السورية ليجد له مكاناً جديداً، وليعاد توظيفه مرة أخرى في التحريض على «الأنظمة الكافرة من قومية ويسارية»، فضلاً عن إضافة جديدة تشكل في مضمونها أكبر خطر من نوعه، وهو التحشيد على القتال الطائفي «مقاتلة الشيعة» باعتبار أن النظام السوري هو نظام «شيعي علوي» يخوض حرباً ضد «أهل السنة».
واللافت أن كل جماعة من هذه الجماعات الثلاث تقوم على تكفير الجماعة الأخرى، إلا أن السلفية الجهادية هي الأكثر صراحة في تكفير الإخوان والسلفية المحافظة، وتصف الجماعتين بأنهما «ذيول الدولة».
بالرغم من ذلك، بدا أن مظاهر الخلاف بين الجماعات الثلاث تأخذ طابعاً توافقياً ازاء الموقف من سوريا، دون الحاجة الى تنسيق مشترك في ما بينها. فقد اكتفت جماعة الإخوان المسلمين في المخيمات بتوجيه خطاب غير مستفز للمواطنين يستند إلى قاعدة البقاء في حدود الجماعة وأنصارها داخل المخيمات، لتلافي أية خلافات قد تنشب مع الآخرين. في المقابل، منحت الحكومة مساحات واسعة للسلفية المحافظة وتحديداً من جماعة علي الحلبي، للسيطرة على منابر المساجد، لتوجيه خطابات حماسية للمصلين وللمواطنين يمارسون فيها التحريض على الشيعة بشكل عام، وعلى النظام السوري باعتباره «نظاماً كافراً ملحداً علوياً». ويحثون المصلين على التوجه الى الله بالدعاء لتسريع الخلاص من النظام السوري.
أما السلفية الجهادية، فهي تعبر بوضوح عن مواقفها تجاه النظام السوري. وفي أكثر من حالة بدا أنصار وأعضاء هذا التنظيم وكأنهم يتمتعون برعاية وحماية من نوع مختلف ومثير للتساؤلات. فهم يقيمون نشاطاتهم في الهواء الطلق، ويلجأون عادة لاستغلال مناسبات الزفاف والعزاء للاعلان عن مواقفهم بصورة حادة، وليست حادثة الزرقاء بعيدة تماماً عن الأذهان، فقد اشهرت فيها السيوف، وفي أحيان أخرى لا تتورع هذه الجماعة عن التهديد والوعيد.
وفي مخيم البقعة، فإن عددهم بدأ يتزايد بشكل ملحوظ. ويلجأون عادة الى بسط قوتهم ونفوذهم بالقوة. وقد شهد المخيم أكثر من حالة كشفت عن أن هذه الجماعة لديها الاستعداد للحصول على ما ترغب بالقوة الذاتية المحضه بعيداً عن سلطة الدولة.
ويعتقد أنصار هذه الجماعة أن النظام السوري «كافر»، وأن باب الجهاد أصبح مفتوحاً في سوريا بخلاف الحال في فلسطين.
وتثير حركة السلفية الجهادية أسئلة عديدة حولها تبدأ بالسبب الذي يسمح للحكومة بالابقاء على هذه الجماعة دون رقابة أو معاقبة، وتنتهي بالأسباب التي تجعل رئيس وزراء أسبق هو عون الخصاونة يتبنى قراراً بالافراج عن معتقلي هذه الجماعة بعد أحداث الزرقاء، في الوقت الذي سمحت فيه الحكومات خلال العامين الماضيين لهذه الجماعة بالتعبير عن نفسها بقوة في الشارع.
ويميل المنتمون إلى هذا المعسكر إلى مناصرة الثورة السورية والجيش الحر إما بتاثير من الخطاب الديني، أو بسبب مواقف عدائية مسبقة من النظام السوري، أو لكونهم تحولوا فجأة لمناصرين للحريات والديموقراطيات.
وعدا ما تستخدمه التيارات الدينية المنظمة من وسائل اعلام واتصال وتحشيد في هذا الجانب، فإن ثقافة القطاع العريض من هؤلاء تخضع للتأثير المباشر لـ«الجزيرة» و«العربية».
ولوحظ أن هؤلاء المناصرين الجدد للحريات وللاصلاح السياسي ينشطون في مهاجمة النظام السوري، الا انهم لا يبدون أي اهتمام بالمشاركة الشعبية الأردنية عندما يتعلق الامر بالتظاهر للمطالبة بالاصلاحات السياسية وبمزيد من الحريات للمواطنين، أو حتى في حالات الاحتجاج على رفع الاسعار أو المطالبة بمحاربة الفساد. وبين مؤيدي النظام السوري ومعارضيه يبرز طرف ثالث لا يزال محتاراً تماماً لم يحسم الوجهة التي يجب الانحياز إليها.
(الأخبار)