طوال الشهر الماضي، شهدت العلاقات الروسية الاميركية، لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، لعبة «صراع إرادات» و«عضّ أصابع» حقيقية تذكّر بوقائع فترة الحرب الباردة، حسبما يروي مصدر دبلوماسي وقائع ما يسميها أخطر أزمة حصلت خلال الأسابيع الماضية، التي تلت تقديم المبعوث الأممي المشترك كوفي أنان استقالته من مهمته كوسيط دولي لحلّ الأزمة السورية، فطوال الفترة الفاصلة بين استقالة أنان ولقاء لافروف ــ كلينتون، على هامش منتدى التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادئ في فلاديفوستوك في روسيا


، قبل ثلاثة أيام، انقطع سياق الحوار الأميركي ــ الروسي بشأن سوريا، وذلك بمبادرة من واشنطن التي أبلغت روسيا أنّها لم تعُد ترى جدوى من مشاركتها مع موسكو في البحث عن حلول للأزمة السورية من داخل مجلس الأمن.
وعن تفاصيل ما حدث، يقول الدبلوماسي عينه، إنه بعد أيام قليلة من اعلان أنان تنحيه، حاولت روسيا فتح الباب مجدداً مع أميركا لإطلاق حيوية جديدة لعملية البحث عن حلّ للأزمة السورية من داخل مجلس الامن. وبموجبها، تقدّم المندوب الروسي هناك، بعرض، باسم موسكو على السفير وعضو خلية الأزمة السورية التابعة للادارة الاميركية، روبرت فورد، بمبادرة قوامها العودة إلى مجلس الأمن لإصدار بيان جديد مشترك من الدول الخمس بشأن الأحداث السورية، من شأنه أن يجدد العمل الدولي المشترك، لكن واشنطن رفضت هذا العرض، وضمنت إجابتها عليه، كما نقلها فورد للسفير الروسي، لوماً شديد اللهجة من قبل «إدارة أوباما، التي ما عادت تثق بشراكتها مع روسيا لإنهاء الأزمة السورية». ويتابع المصدر أن موسكو، عبر سفيرها عينه، تحركت مجدداً بعد أيام قليلة، باتجاه واشنطن لكسر جمود التفاعل السياسي بينهما، فقدم سفيرها في نيويورك، مبادرة لفورد، مفادها أن يقوم وزير الخارجية الروسية بزيارة لواشنطن للقاء نظيرته هيلاري كلينتون، للتباحث بخصوص الازمة السورية ومرحلة ما بعد أنان. لكن السفير فورد، بعد مراجعة إدارته، أبلغه اعتذار واشنطن عن قبول العرض، وضمّن الاعتذار رسالة شفهية من الإدارة الاميركية تؤكد اصرارها على إسقاط الأسد، بوصفه موقفاً نهائياً بالنسبة اليها، وكرّرت الرسالة أنّ واشنطن لم تعد تعوّل على شراكتها مع موسكو.
ويضيف الدبلوماسي أنّه اثر هذه المحادثة، سادت القطيعة بين موسكو وواشنطن بخصوص الأزمة السورية. وفي هذه الأثناء، حدّدت إدارة أوباما طبيعة البديل السياسي الذي ستسلكه، خلال مرحلة ما بعد أنان، وقوامها، «التوجه لدعم جهود المعارضة السورية في الميدان». وهذا ما عبّر عنه السفير فريدريك هوف في محادثة دبلوماسية مع نظرائه، حينما قال رداً على سؤال، «ماذا بعد انان؟» فقال «الخطوات اللاحقة التي ستلجأ لها أميركا بعد مهمة أنان هي تعزيز مجموعة أصدقاء سوريا، التي سيقع على عاتقها مسؤولية تغيير موازين القوى على الارض في سوريا لمصلحة المعارضة وهدف إسقاط الأسد».
قصة بيان جنيف
مقابل تشدّد الموقف الأميركي تجاه روسيا في موضوع معالجة الأزمة السورية، طوّرت موسكو طرحها بخصوص مقاربتها لحلّ الأزمة، فدعت وزارة الخارجية الروسية كل من الوزيرين قدري جميل وعلى حيدر، بصفتهما المضافة، كقطبين في المعارضة السورية الداخلية، إلى لقاء مع لافروف في موسكو. ويكشف المصدر أنّه خلال فترة التحضير لزيارتهما، حدث نوع من الجدل الذي أظهر تبايناً جزئياً وتكتيكياً، بين دمشق وموسكو حول العنوان الذي يجب أن تجري تحته زيارتهما، فبينما طالبت موسكو بأن يسبق وصولهما للقاء لافروف تصريح من الحكومة السورية يعلن «أنّ هدف الزيارة سيتركز على بحث اطلاق مؤتمر المصالحة الوطنية السورية انطلاقاً من بيان قمة جنيف»، فان دمشق أصرّت على اصدار بيان يقول «انطلاقاً من النقاط الإيجابية في بيان جنيف»، لأنها، بالأصل، لم توافق على كل مكوّنات البيان، لا سيّما الجزء الذي يتحدث عن «مرحلة انتقالية». وتمّ بنهاية المطاف اعتماد الصيغة السورية للبيان.
وبحسب الدبلوماسي، فإن موسكو أرادت أن تقدّم لواشنطن، من خلال استقبالها الوزيرين جميل وحيدر تحت عنوان الدعوة إلى مصالحة وطنية، معطيات جديدة في الواقع السوري يخدم فكرة احياء عودتهما لمجلس الأمن لقيادة مشروع دولي مشترك لحلّ الأزمة السورية، ولا سيما أنّ موسكو كانت قد نجحت من خلال اتصالات بعيدة عن الأضواء خلال الفترة القليلة الماضية باقناع هيئة التنسيق الوطني بالمشاركة في مؤتمر للمصالحة يضمّها مع أطياف المعارضة الداخلية ومن يريد من أطياف المعارضة الاخرى. بالمحصلة، صاغت موسكو رؤية للحلّ تقوم على «طاولة حوار وطني تضمّ أطرافاً جدداً (هيثم المناع وفريقه)، لإحداث اختراق في الأزمة السورية على أساس بيان جنيف، الذي يتحدث عن عملية انتقالية بقي موضوع عدم إشراك الاسد فيها غامضاً».
وبنظر الدبلوماسي، فإن هذه «الصيغة» الروسية المتقدمة نوعاً ما، نجحت في إقناع واشنطن بكسر قرارها بقطع الحوار مع موسكو، وليتمّ إنهاؤه بالشكل من خلال تجدد اللقاء بين لافروف وكلينتون الذي حصل على هامش مشاركة الاخيرة في منتدى التعاون الاقتصادي. والملاحظ أنّه اثر هذا اللقاء، أعلنت كلينتون استمرار الخلاف، وربط إعادة الأزمة السورية الى مجلس الأمن للتشارك بحلّها مع روسيا، بضمان أن توافق الأخيرة مسبقاً على أن يصدر عن المجلس بيان يدعو الأطراف السورية إلى تنفيذ بيان جنيف، ولكن بشرط تضمينه بند فرض عقوبات على النظام السوري في حال عدم تنفيذه، الأمر الذي لم توافق عليه موسكو، ولكنها في نفس الوقت أبقت الباب مفتوحاً للحوار بشأن هذه النقطة مع الخارجية الاميركية.