رام الله | منذ أن فُتح باب الترشح للانتخابات المحلية الفلسطينية، البلديات، في الأول من أيلول الجاري، عادت مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية الى الاهتزاز مجدداً، وسادها الانقسام، ذلك أن الثقافة السائدة هي العائلية والعشائرية، والتي أجبرت حتى الفصائل الفلسطينية على الانسياق خلفها، فيما لا تجد مكاناً للروح الشبابية والتغيير، الأمر الذي يزيد من انقسام الأهل والوطن.

وفي الوقت الذي يقفل فيه باب الترشح، اليوم، ويبدأ العدّ العكسي لموعد الانتخابات في 20 من تشرين الأول المقبل، جالت «الأخبار» على مختلف المدن في الضفة الغربية واستطلعت آراء الفلسطينيين حول هذه الثقافة والفكر السائد. ويقول الناشط فارس عاروري، من رام الله إن «هناك ضعفاً واضحاً في الرؤية الاجتماعية العامة، لذلك لا يوجد منافسة بين برامج مختلفة، كما أنه، وللأسف، لا توجد ثقافة انتخابية، بمعنى أن الغالبية العظمى من الناخبين لا تقوم بالمفاضلة بين المرشحين، ولا تفكر بالعائد العام من انتخاب «س» أو «ص» من الناس أو الأحزاب وبالتالي، للأسف الشديد، فإن ما يحصل في غالبية الدوائر مجرد استعراض قوى للعشائر و/أو الفصائل المختلفة، لذلك لا يمكن أن نطلق على ما يجري اسم انتخابات؛ فالانتخابات هي منافسة بين توجهات فكرية أو رؤى سياسية، وفي حالتنا الفلسطينية، لم نصل بعد إلى هذا المستوى». ويضيف «اعتقد أن اللوم يقع بالأساس على الأحزاب من جهة (خصوصا المعارضة منها)، وعلى نظام التعليم الذي لا يعطي أي اهمية لموضوع المواطنة والحكم الصالح، من جهة ثانية».
بدوره، يرى الإعلامي محمد هواش أن «هناك أسباباً سوسيولوجية لهذه المشكلات؛ فالظروف (وأهمها الاحتلال) لم تسمح بوضع المجتمع الفلسطيني على سكة تتلاشى معها هذه الظاهرة. اضافة الى أن الشباب الفلسطيني محكوم بعلاقات اجتماعية يسيطر فيها الرجل في المجتمع الأبوي على كل مناحي الحياة». ويضيف أن «هذا يحرم الشباب المتعلم من أن يكون له كلمة أمام الرجل الأبوي (كبير العائلة والعشيرة)».
أما محمد أمين، فيرى أن «السبب في هذه الثقافة هو هشاشة وضعف برامج التوعية الموجهة للشباب، خصوصاً المتعلقة بالديموقراطية وحرية التعبير عن الرأي والمواطنة وحقوق الإنسان، هذا إضافة إلى تأثير التكوين والتربية في المجتمع الفلسطيني، الذي تسود شبابه ثقافة: أنا وأخوي على إبن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب».
ومن نابلس، يقول صدقي موسى إن «العائلة والعشيرة لا تزالان تلعبان دوراً في تحديد الموقف السياسي لأفرادها». ويشير الى أن «هذا الدور تعزز خلال السنوات الماضية في ظل الركود الفصائلي والحزبي، بحيث أصبح الانتماء للعشيرة والولاء لها بالمقام الأول، باعتبارها الجسم الحامي لأبنائها».
واذا كان التعويل على الشباب الفلسطيني، فإن هؤلاء فشلوا حتى الآن في الخروج عن الانتماء العائلي «بل تجدهم الأكثر حماسةً واندفاعاً الى ذلك، الأمر الذي جعل السياسيين والأحزاب يدركون عمق الانتماء العائلي، لذلك يحرصون على اختيار مرشحيهم وفق هذه التوازنات»، بحسب ما يقول موسى.
لكن معتز بسيسو من رام الله له رأي مغاير، ويعتبر أن «هناك مساحة لا يُستهان بها من المفاجآت، اذا ما أُخذ بعين الاعتبار الوضع الفصائلي وازدياد مساحة المستقلين والمتعاطفين، بحيث أصبحت الحالة أشبه بحالة ما قبل فوز «حماس» بالانتخابات، وهي حالة احتقان سياسي واجتماعي ضدّ الفصائل الرئيسية، مع تردّي الأوضاع واستمرار الانقسام والتشرذم الفصائلي».
جورج رشماوي، ناشط شبابي من بيت لحم، يرى أن ثقافة العشائرية والفصائلية السائدة بقوة تقلل من احتمال وجود «الشخص المناسب في المكان المناسب»، وتجعل نظرة المواطنين للبلدية ورئيسها وأعضاء مجلسها «كموظفين للعشائر والفصائل لتسهيل مصالحهم». أما الشباب الطامح إلى هذا التغيير ومحاربة هذه الثقافة فلسان حاله يقول «لا نريد الالتزام بقرار عائلي يؤخذ من قبل عدة أشخاص لمرشح العائلة الأوحد».