القاهرة | طقس سيئ وأمطار غزيرة ضربت مصر وعدداً من بلدان حوض البحر المتوسط في الأيام الثلاثة الماضية، لكن الوضع في مصر يختلف، حيث غرقت قرى بالكامل في محافظة البحيرة شمال العاصمة، وتهدمت عدد من المنازل، بخلاف تعطل الطرق الرئيسية والجانبية في أغلب المحافظات التي أغرقتها الأمطار. 17 قتيلاً وما يزيد على 35 مصاباً، غالبيتهم قضوا صعقاً بالكهرباء، هي الحصيلة النهائية التي أعلنتها وزارة الصحة للخسائر في الجانب البشري.


لكن من نجا من الأمطار أو الصعق بالكهرباء، وجد نفسه أمام خراب كبير في منزله أو سيارته، فضلاً عن تعطل ما يُسمى اقتصاد الفرد الرائج في مصر، ولا سيما محافظات الدلتا الريفية، وهو اقتصاد يعتمد على بيع كمية قليلة من المحاصيل أو المنتجات التي تعد وتباع يوماً بيوم.
وكعادتها، ترتبك الحكومة في الأزمات الكبيرة، ويقتصر تدخلها المتأخر دائماً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل اقتصر دورها في هذه الأزمة على نشر سيارات لسحب مياه الأمطار من الشوارع الرئيسية، والتدخل لإنقاذ من يستغيثون، لأن منازلهم تتعرض للغرق بمساعدة من القوات المسلحة، في الإسكندرية والبحيرة، وأخيراً محاولة إصلاح كابلات الكهرباء الرئيسية التي تسبب قتل المواطنين في الشوارع صعقاً. وثمة أضرار أخرى وقعت على آلاف المواطنين بسبب الأمطار لم تنتبه إليها الحكومة بعد. فمثلاً في الإسكندرية، المدينة التي اشتهرت بالبناء المخالف بعد «ثورة 25 يناير»، حيث سقط فيها خلال الأسبوعين الماضيين فقط 18 منزلاً بسبب الطقس السيئ. أوقع ذلك نحو عشرة قتلى، فضلاً عن عدد من المصابين ومواطنين فقدوا مأواهم. بعد ذلك، تظاهر المئات من القرى الفقيرة قاطعين الطريق الصحراوية التي تصل بين الإسكندرية والعاصمة القاهرة، احتجاجاً على غرق منازلهم بسبب الأمطار وتجاهل الحكومة لهم، وهو ما اشتكى منه أيضاً مواطنون في القرى المهمشة في الدلتا، وتحديداً بأن الدولة اهتمت بالمحافظة ولم تهتم بإنقاذهم.
أما في محافظات الدلتا، مثل البحيرة والغربية، فالأضرار التي لحقت بالأهالي هناك كانت أعمق وأسوأ. إحدى قرى محافظة البحيرة حاصرتها السيول يوم الأربعاء، ولقي تسعة أشخاص من أبناء القرية مصرعهم. بعد ذلك تدخلت قوات الحماية المدنية بمساعدة الجيش وأنقذت 100 أسرة من الغرق. وفي غير ذلك، يعتمد دخل أغلب الأهالي هناك على «اقتصاد الفرد»، لكن الأمطار سببت أضراراً اقتصادية كبيرة، ليس على الأسر الصغيرة، بل على كبار التجار أيضاً الذين لم يجدوا طرقاً لنقل محاصيلهم إلى الأسواق، لأن أغلب الطرق الداخلية لا تزال مياه الأمطار تغرقها، الأمر الذي سيفسد الخُضَر ويرفع أسعار السلع.
إلى جانب الخُضَر، هناك العديد من مزارع الدواجن على الطرق الصحراوية بين هذه المحافظات، نفقت فيها كميات كبيرة، إما بسبب غرقها بمياه الأمطار، أو لعجز السيارات التي تحمل لها العلف والأغذية من الوصول إليها بسبب الطرق الغارقة في مياه الأمطار، وهو ما يُكبد أصحاب تلك الدواجن خسائر فادحة، ويضع تساؤلاً عن مصير كمٍّ كبير من الدواجن النافقة، هل سيطرحها أصحاب الشركات في الأسواق على أنها لحوم مجمدة، أم ستتدخل الحكومة للتأكد من إعدامها وتعويض أصحابها؟
فوق ذلك كله، ولحل أزمة كابلات الكهرباء التي تصعق المواطنين، تضطر الحكومة إلى قطع الكهرباء عن مناطق وقرى لساعات قد تصل إلى خمس ساعات، إضافة إلى حدوث ضعف في شبكات الاتصال والإنترنت بسبب كثافة الأمطار. وبرغم تبني الدولة تنفيذ عدد كبير من المشروعات العملاقة لتطوير الاقتصاد، فإن المواطن المصري لم يلمس من هذه المشروعات سوى إعلاناتها على جوانب الطرق التي أغرقتها الأمطار. أيضاً في مصر لا تحدث كارثة دون أن تشير الأصابع بالاتهام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، فقد أعلنت وزارة الداخلية أمس، إلقاء القبض على خلية إرهابية من تنظيم الإخوان، تلقي مواد البناء في بالوعات الصرف الصحي لتدمر شبكات الصرف وتغرق البلاد وتفشل الحكومة!
ومن التهم الموجهة إلى الخلية (عددها نحو 17 شخصاً): سد المصارف ومواسير الصرف الصحي بإلقاء خلطة أسمنتية داخلها لمنع تصريف المياه، وحرق وإتلاف محولات الكهرباء، وإتلاف صناديق القمامة لإحداث أزمات بالمحافظة، وإيجاد حالة من السخط الجماهيري على النظام القائم.