غزّة | شهد قطاع غزّة خلال الأيام الماضية جولة تصعيد عسكرية، كان أحد أطرافها المجموعات الجهادية في القطاع، التي بادرت بإطلاق مجموعة من القذائف والصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة على مدى أيام، وهو ما استدعى ردّاّ إسرائيلياً من خلال غارات جوية قتلت وجرحت عدداً من الفلسطينيين. في حقيقة الأمر، ان هذا التصعيد ليس موجّهاً ضدّ دولة الاحتلال، وانما ضدّ حركة «حماس» الحاكمة في القطاع، بحيث يرى مراقبون أن ما يحدث، ما هو الا ورقة ضغط تستخدمها هذه الجماعات السلفية بوجه حكومة «حماس»، بغرض تحسين علاقتها مع تلك الجماعات من جهة، وإطلاق سراح بعض معتقليها لدى الأجهزة الأمنية الحمساوية، من جهة ثانية.


اطلاق هذا العدد من الصواريخ المحلية الصنع، اضافة الى صواريخ «غراد» الروسية الصنع لأول مرّة من قبل الجماعات السلفية الجهادية، يعتبر رسالة قوّية لـ«حماس» الملتزمة بتهدئة هشة مع دولة الاحتلال منذ عام 2009، مفادها أن السلفيين حاضرون وقادرون على تغيير المعادلة، على الأقل لغير صالح «حماس».
ويقول المحلل السياسي من قطاع غزة، أكرم عطا الله، لـ«الأخبار» إنّ اطلاق الصواريخ «يعتبر ورقة ضغط ناجحة بوجه «حماس»، لأنها في الأول والأخير من يتحمل مسؤولية القطاع الأمنية، وبالتالي هي المسؤول الأول عن ايقاف اطلاق تلك الصواريخ» باتجاه المدن والقرى المحتلة المتاخمة للقطاع.
ولعلّ أكثر ما يخيف «حماس» هو الردّ الاسرائيلي، وخصوصاً بعد تهديدات قيادات عسكرية اسرائيلية بشنّ عملية واسعة في غزة على غرار عملية «الرصاص المصهور» التي راح ضحيتها أكثر من 1400 شخص في أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009.
وكانت جماعة «مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس» قد أطلقت عشرات القذائف الصاروخية تجاه اسرائيل، كان آخرها سقوط قذيفتين صباح الاربعاء الماضي. وردّت دولة الاحتلال على هذه الصواريخ بغارات جوية على أهداف متفرقة في قطاع غزّة، أسقطت ستة شهداء فلسطينيين.
ويقول عطا الله إن حركة «حماس» وحكومتها قد شنّت حملة ملاحقة واسعة ضدّ أبناء الحركات السلفية الجهادية بعد توجيه اتهامات لتلك الجماعات من قبل الحكومة المصرية بتورطهم في مقتل أكثر من 16 جندياً وضابطاً مصرياً بالقرب من الحدود مع غزة الشهر الماضي.
ويضيف أنّ «الاعتقالات الكبيرة التي نفّذتها حكومة «حماس» بحق بعض السلفيين، هي ما دفع الجماعات السلفية الى إعطاء الضوء الأخضر لعناصرها باطلاق مزيد من الصواريخ على اسرائيل، لأنه بات معروفاً أن «حماس» ومعظم الفصائل الفلسطينية في القطاع لا تريد مواجهة عسكرية مع اسرائيل، على الأقل في الوقت الراهن».
وأوضح عطالله أن «تلك الورقة قد تنجح في جني بعض النتائج الإيجابيية بالنسبة للسفليين، الذين يعانون التهميش التام سياسياً وميدانياً منذ اعتلاء «حماس» سدّة الحكم في غزة عام 2007».وكانت جماعة «مجلس شورى المجاهدين» السلفية في غزّة قد اتهمت «حماس» باعتقال أحد قيادييها، وطالبتها بالافراج عنه نظراً لتدهور حالته الصحية بسبب إصابته في غارة اسرائيلية قبيل اعتقاله على أيدي أمن «حماس».
وقالت الجماعة في بيان إن «الجريح محمد رشوان، المصاب في غارة استهدفته في مدينة رفح، ممتنع منذ 5 أيام عن تناول الدواء في سجن أنصار التابع لجهاز الأمن الداخلي بحكومة «حماس»». مؤكدة أن حالة رشوان تدهورت جراء تعرضه للتعذيب أثناء الاستجواب على يد فريق مشترك من الاستخبارات المصرية والأمن الداخلي الحمساوي.
لكن الحكومة المقالة نفت أن يكون هناك أيّ من السلفيين قد اعتُقل أو عُذب على خلفية المقاومة، نافيةً أي تقارير تتحدث عن اعتقالهم أو حتى مشاركتهم في عملية رفح. وأضاف عطا الله أنّه «على ما يبدو أن تلك الجماعات ستواصل قصفها لمدن اسرائيلية، الى أن يتم التوصل لحل وسط بينها وبين «حماس»، التي تخشى أي صدام مع اسرائيل، لأن استمرار القصف السلفي يعني ردّ فعل اسرائيلياً، وستكون مقار «حماس» وقياداتها أول وأسهل أهداف جيش الاحتلال».
ويتفق المحلل السياسي ناجي شراب مع عطا الله على أن الهجمات الصاروخية ضدّ اسرائيل المقصود بها «حماس»، لكنه يرى أن هناك بعداً آخر لتلك الهجمات، قد يكون بعيداً كل البعد عن الشأن الفلسطيني. ويقول إن تلك الجماعات ذات مرجعيات عالمية ومعظمها ينتمي فكرياً لتنظيم «القاعدة»، الذي يتخذ من الجهاد العالمي قاعدة أساسية لنشاطه السياسي والعسكري، موضحاً أن ثمة تعليمات من قيادات التنظيمات الخارجية وراء ما يحدث في غزّة في الآونة الأخيرة.
وتطرّق الى قضية تجاهل «حماس» لدور الجماعات السفلية في العمل الوطني الفلسطيني وعدم اشراكهم بتاتاً في حل الملفات الداخلية، بما فيها قضية الهدنة مع اسرائيل وملف المصالحة مع «فتح» وباقي الفصائل الأخرى.
ويرى إن هذا قد يكون أحد الأسباب التي دعت الجماعات السفلية الى زيادة اطلاق الصواريخ، كي تفرض نفسها على السياسة الفلسطينية، وتكون شريكاً أصيلاً في العمل الوطني، حتى وان كانت ذات مرجعيات جهادية عالمية.


الجماعات السلفيّة في غزّة

هناك نوعان من الحركات السلفية في غزّة: السلفية الدعوية، ومهمتها نشر المذهب السني عن طريق الدعوة فقط، والسلفية الجهادية، وهي تنظيم عالمي يقوده تنظيم «القاعدة»، وقد ظهر في غزّة منذ سنوات قليلة، وتدعو للخلافة الاسلامية وجهاد المشركين.
الحركات السلفية الدعوية مسالمة، تعمل في غزّة منذ عقود وليس لديها أي مشاكل مع أي تنظيم سياسي. فيما الحركات السلفية الجهادية، هي تنظيمات غير معروفة العدد. ويعتقد البعض أن هناك العشرات منها في غزة، لكن الواضح أنهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.
معظم عناصر هذه الجماعات هم عناصر سابقون في «حماس» والجهاد الاسلامي وألوية الناصر صلاح الدين. هم قليلو العدد ويسيطر الغموض على أنشطتهم، فلا أحد يعرف مصدر تمويل تلك الجماعات أو أسماء قياداتها أو مواقع تدريب عناصرها.




هدنة وتوتر


اتسمت علاقة «حماس» والسفليين بالكثير من التوتر منذ تولي الأولى الحكم في غزة عام 2007. بعد سيطرة «حماس» على القطاع، ظهر زعيم السلفية الجهادية في غزّة عبد اللطيف موسى ليعلن من مدينة رفح عن اقامة الدولة الاسلامية في أكناف بيت المقدس. أدى هذا الاعلان الى نشوب اشتباكات مسلحة بين أمن «حماس» ومناصري موسى، مما أدى الى مقتله هو وعدد من رفاقه داخل المسجد الذي كان يخطب فيه بمدينة رفح.
بعد ذلك، شنّت حكومة «حماس» حملة اعتقالات واسعة في صفوف السلفيين، وتوعّدت بقمع أي عمل خارج عن القانون باسم الدين.
طغى الهدوء لثلاثة أعوام، الى أن جرى اختطاف المتضامن الإيطالي فيكتوريو أريغوني على يد مجموعة من السلفيين، طالبوا باطلاق سراح زعيمهم المحتجز لدى أجهزة أمن «حماس». وبعد ساعات من اعتقاله، قتلت المجموعة المتضامن الإيطالي، ليفتحوا معها حلقة جديدة من الصراع. وبعد ثلاثة أيام تمكنت «حماس» من تحديد مكان الخاطفين وهاجمتهم، مما أدى الى مقتل أحدهم وانتحار آخر قبل الوصول اليه.
عادت العلاقة الى سابق عهدها حيث خيّم الهدوء على العلاقة، الى أن وقع حادث قتل الجنود المصريين في رفح، بحيث اتهمت مصر جماعات سلفية في غزة بالتورط بالحادث، ما دفع «حماس» الى ملاحقتهم من شارع الى شارع، على حد وصف تلك الجماعات.