لندن | لو أن الزمان يفتح لي أبوابه، لكنت في أغلب ظني اخترت باباً آخر غير باب هذا الزمان. هذا الزمانُ بابه واسعٌ، وحيطان حواريه مصقولةٌ كالمرايا. ترى نفسك في كل يومٍ مراتٍ عديدة، وعبثاً تحاول رؤيةَ أناسٍ آخرين وأشياءَ أُخرى غير تلك التي تنثرها السُّحبُ حولك. لا سُحب السماء التي تُحركها الريح، بل سُحُبُ العوالم الافتراضية التي تحملنا إليها بريحٍ لا صوت لها ولا روح فيها.


هذا الزمانُ الذي يحملنا في فُلكه مصابٌ بلعنة الإنسان الذي اخترع الطائرة، ثم بنى جدراناً عاليةً نحذرها ولا نراها، وأشاع للناس أن يروا صور بعضهم ومنعهم بغير قصدٍ أحياناً، وبكل قسوةٍ أحياناً أخرى، أن يتلمس بعضهم وجوه بعض، وأن يروا ابتساماتهم العادية كلها، والألوان التي لا تستطيعُ أن تُحيطَ بها 255 درجة من ممزوج الأحمر والأخضر والأزرق.
لو دخلتُ إلى هذه الدنيا في أواسط القرن الماضي، لما عرفتُ إن كنتُ سأكون ثائراً يقطعُ دولاً حتى يقاتل في سبيل ما يراه حق المظلومين في الأرض، أو يختبئُ في مكانٍ سري يستعين فيه بالله ويدعو على السلطان. أو إن كنت سأكون شاعراً يهتم بالتفاصيل الكثيرة لكل شيء ويتساءل إن كان زمانٌ سيأتي ليست به تفاصيلٌ وليس له أهل. لا يهم، على أي حالٍ كنتُ سأكون، المهم أنني كنتُ سأجدُ شيئاً ما أكونه. كنتُ سأكتبُ رسالةً لأيٍّ كان من أشتاق إليه، وعندما يتأخر رده لا أيأس من أن يكون بخير، وأدخر قلقي ليكون حصني كلما شعرتُ بأن قلبي يجف، فأواسي به نفسي أن قلبي لا يزال حياً وأنه لا يزال ينتظر.
هذا الزمان البليد يكشف كل شيءٍ أمامنا، ويكشفُنا أمام كل شيء. وإنه إذ يفعل يحرمنا رغبتنا ودهشتنا ويُطفئ حاجاتنا ويخدعنا بأنه يلبيها بصورة «سيلفي» يلتقي فيها مجموعة من الناس مرةً واحدة، ولا تجمعهم بعدها إلا تلك الصورة التي تكون خوادم الإنترنت أكثر من يهتم بها. هذا الزمانُ الذي يضع أمامنا بكل سخاءٍ صور المدن وجمال معمارها يحرمُنا رغبتنا في زيارتها ويحرمنا أن نبني فيها أخبارنا وذكرياتنا وأن نتشوق لأن نلتقي أهلها وأن نأكل من طعامهم.
كيف لا والمسخن الفلسطيني يمكنك أن تأكله فور خروجك من قطار الأنفاق في وسط لندن ولا تشعر بأي شيءٍ خاص، ولا تشتمّ في خبز الصاج رائحة يدي امرأةٍ يملأهما الزيت وتحيطك بالعناية؟ كيف لا وآثار بلادنا، ومعها سِيرُ أجدادنا ووجوههم صارت مُستباحة في معارض صمّاء، تنزعُ عن الحجر سمته الوظيفية وتضعه في خزانةٍ زجاجية لتنسيه أنه ليس إلا طيناً أصمّ، وتخبرنا، بكل استصغار، أننا في هذا العالم لم نعُد إلا سَقطَ متاعٍ لا يُرجى إلا أن تنجو بعضٌ من حجارته والقليلُ من سِيَره!
هذا الزمان يعطينا كل شيءٍ ويحرمنا كل شيءٍ في الوقت نفسه. يطفئ دهشتنا حينما نرى وجهاً لم نره منذ وقتٍ طويل، ويطفئُ مشاعرنا التي لم تعد لها حدودٌ تخصنا، يمنحنا المساحة لنقول أشياءَ كثيرة لأناس كثيرين حتى لا يعُد باستطاعتنا أن نبوح بأشيائنا الحميمة للوجوه التي نراها بعينين فعلاً تريان، وبقلبٍ فعلاً يأنسُ ويستأثر.