القاهرة | جاءت صور القبض على صلاح دياب ونجله، وهو أحد أبرز رجال الأعمال في مصر، مغلول اليد، على خلفية اتهامه بالتربح وإهدار المال العام، لتحمل في طياتها تهديدا ووعيدا لرجال الأعمال بالامتثال للأوامر الشفهية بإبرام تسويات مالية مع الحكومة، على صورة تبرعات أو ما شابه، وذلك كي تضمن وقف ملاحقتهم أمنيا باستدعاء بلاغات واتهامات قديمة بالاعتداء على أراضي الدولة.


جراء ذلك، بدأ النائب العام، المستشار نبيل صادق، التحقيق في بلاغات قدمت إلى النيابة العامة عقب «ثورة 25 يناير 2011»، بل اتخذ أول قرارته بشأنها في السادس من الشهر الجاري، عبر التحفظ على أموال 18 من رجال الأعمال من بينهم دياب ونجله، إلى جانب محمود الجمال، حمي نجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك والمحافظ السابق، مع عدد من المسؤولين.
القرار جاء متأخرا خمس سنوات ويفتقد زهو القرارات المماثلة التي أصدرها المستشار عبد المجيد محمود (النائب العام آنذاك) ضد غالبية رجال نظام مبارك البارزين، كأحمد نظيف وزهير جرانة ورشيد محمد رشيد وأحمد عز، بل حتى مبارك نفسه ونجليه وزوجته، في ظل رهاب سقوط مبارك وتخليه عن السلطة. وبرغم ذلك، كان مصير غالبية تلك البلاغات التي تحفظت النيابة العامة بموجبها آنذاك على أموال المبلغ عنهم قبل قراءة أوراقها، أن تبقى في أدراج النيابة العامة دون تحقيق، كما انتهت ببراءة كثيرين من التهم المبلغ عنها.


استحضرت بلاغات قديمة
من درج النائب العام
للاستفادة منها الآن

لكن، كما كانت تلك البلاغات التي قدمها مواطنون متضررون من الفساد حلا سحريا عقب تنحي مبارك عام 2011 في تهدئة الجماهير الغاضبة وطمأنتها ووعدها بمستوى اجتماعي أفضل بعد المبالغات والتهويل في مد الصحف ببيانات مغلوطة عن حجم ثروات مبارك ونجليه ورجاله ونصيب كل مواطن منها، بعد استرجاع النظام الجديد لها، ظلت باقي البلاغات التي حفظت في الإدراج ذات جدوى.
هذه الجدوى تكشفت بعدما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بقانون بتعديل قانون الكسب غير المشروع في 23 آب الماضي، بما يكفل التصالح في جرائم التعدي على المال العام مقابل تسوية مالية تبرمها الحكومة، وهو القانون الذي سبقه تعديل تشريعي آخر من الرئيس لقانون الإجراءات الجنائية، يتضمن إضافة مادة جديدة تجيز التصالح في الجرائم المالية إذا كان محلها عقدا مع إحدى الجهات أو الهيئات المالكة للمال العام، سواء أكان المستثمر قد تعاقد مع الجهة الحكومية بصفته أم بشخصه، وذلك في أي مرحلة من مراحل التقاضي.
في ظل ذلك، قرر النائب العام الحالي البحث في الدفاتر القديمة ليخرج منها باقي بلاغات عام 2011. وبغض النظر عن فحوى تلك البلاغات فإن النائب العام أصدر قراراته بالتحفظ على الأموال والمنع من السفر، أو بضبط وبإحضار المتهمين كما حدث أمس مع صلاح دياب، الذي دهمت قوات الأمن الفيلا الخاصة به وقبضت عليه، بل سربت صور القبض عليه ووضع «الكلابشات» في يده برغم أنه ليس المتهم الوحيد في القضية. وتزامن هذا مع إعلان نيابة الأموال العامة تفاصيل القضية التي قبض على رجل الأعمال فيها، وتتعلق بشبهات فساد في تخصيص أراضٍ عام 1996 إلى رجل الأعمال واستغلالها في غير الغرض الذي خصصت له من أجله.
ووفق رئيس نيابة الأموال العامة، المستشار أحمد البحراوي، فإن التحقيقات «كشفت عن تأسيس صلاح دياب ومحمود الجمال و15 آخرين من شركائه منتجعا ومدينة سكنية في طريق إسكندرية الصحراوي على مساحة 1500 فدان، حصل دياب على 976 فدانا منها عن طريق مزاد علني عام 2007، وحصل على 524 فدانا أخرى من أجل مشروع آخر عام 1996، وكانت الجهات المسؤولة قد حددت مدة زمنية لتنفيذ المشروع المقرر، فيما برزت مخالفته للمدة المحددة، وضم الأرض إلى مشروع آخر مخالف للقانون، وتربح بطريقة غير مشروعة، وإهدار لأموال الدولة».
بناء على ذلك، فإن المشكلة لم تكن في الحصول على الأرض بسعر بخس، بل في عدم الإلتزام ببنود في العقد المبرم بين وزارة الإسكان ورجل الأعمال وشركائه، وهو الأمر الذي لا يتجاوز في حد ذاته المخالفة المالية، التي لا توجب مداهمة قوات الأمن والقبض على الرجل ونشر صوره، وفقا للمحامي عصام الإسلامبولي، الذي قال إن الأمر لا يزال في «طور الاتهام، والشائع في مثل تلك القضايا أن يكتفى بالقرارات الاحترازية أو الوقائية الخاصة بالمنع من السفر والتحفظ على الأموال».
أما الهدف من استدعاء البلاغات القديمة، فحدده المستشار أحمد البحراوي بمطالبته النائب العام تأليف لجنة من وزارة العدل لتحديد قيمة الأرض وقيمة التربح التي استفاد منها المتهمون من عام 1996 حتى 2007 ، ثم تبدأ جولة المتهمين أمام محكمة الجنايات التي عادة ما تؤيد قرارات النائب العام بالتحفظ على الأموال، ولاحقا يقعون في دوامة نظر القضايا وتأجيلها والحكم فيها ثم الطعن بالحكم ثم إعادة المحاكمة وهكذا... إلى أن يأتي الحل السهل وهو اللجوء إلى التسوية المالية.
وعلى ضوء التعديل الذي أقره السيسي على قانون الإجراءات الجنائية في شهر آذار الماضي يمكن العمل على السيناريو الأخير بشرط أن يرد المتهم المال محل التعاقد والجريمة، أو ما يعادل قيمته السوقية وقت إجراء التسوية، وذلك بمعرفة لجنة من الخبراء يؤلفها رئيس مجلس الوزراء، الأمر الذي يعني إلزام دياب ومن معه، وأيضا من لم يصبهم الدور، بإبرام تسوية مقبولة مع الحكومة بما يوفر لها سيولة نقدية تعينها على أزماتها... مؤقتاً.
وبينما سطعت قضية دياب (الأخبار)، كان السيسي يتفقد الإسكندرية في جولة مفاجئة، معطيا توجيهاً بتخصيص مبلغ مليار جنيه (127 مليون دولار)، من صندوق «تحيا مصر»، لمعالجة شبكات الصرف، وتطويرها بعدما غرقت المحافظة للمرة الثانية خلال أسبوعين، كما تسبب ذلك في مقتل 36 مواطنا في خمس محافظات.
على صعيد آخر، أجريت أمس انتخابات نقابة المحامين المصرية التي يتنافس فيها 26 محاميا على منصب النقيب، أبرزهم النقيب المنتهية ولايته ذو التوجه اليساري سامح عاشور، والمحامي الإسلامي منتصر الزيات، فيما يتنافس 304 مرشحين على عضوية مجلس النقابة الجديد.
إلى ذلك، نشرت الجريدة الرسمية حكما قضائيا يقضي بوضع 18 من قادة «الإخوان المسلمين» المحكوم عليهم في القضية المعروفة إعلاميا باسم «أحداث مكتب الإرشاد» على قائمة الإرهاب لمدة ثلاث سنوات.