«شو أنا رب المازوت». تكفّلت هذه الجملة بإنهاء حياة إبراهيم قسوم، من مدينة سراقب، شمالي سوريا، في 9 كانون الأول 2013. الرجل غير المتزن عقلياً، تعرّض لـ«الذات الإلهية» وأهانها، بحسب الميزان «الداعشي»، فكان حدّه القتل. وفي حزيران من العام نفسه، أعدم رجال «الحسبة» في «داعش» الفتى محمد قطاع، ذا الأعوام الخمسة عشر، في مدينة حلب، بعد اتهامه بـ«التلفظ» بما يسيء للنبي محمد.


أحكام نفّذت باسم «الله». اجتهد فيها «قضاة» الجماعات «الجهادية»، وأصدروا «أحكامهم»، وفق «الحدود» الشرعية. فمنذ تثبيت الجماعات لمناطق سيطرتها على طول الأراضي السورية، وفرضها نظام حكمها، حوّلت القضاء الذي يبت النزاعات والخلافات من قضاءِ الدولة «الوضعي» كما يسمّيه «الإسلاميون» إلى قضاءٍ «شرعي مُنزَل»، يستمد أحكامه من «السنّة والسيرة النبوية». لم يعد «يحكم بغير شرع الله»، فلكل فصيل محكمته ومقصلته الخاصة.
ونقيضاً لعرف المحاكم، فإن قضاة الجماعات ليس لديهم ثياب تدل عليهم. ولم يتعلموا في «معهد» قانوني، أو يتدرجوا منه. إنما مبنى فقط، يدل على أنه «دار القضاء»، التسمية الأكثر استنسابية للمحاكم «الشرعية» التابعة للفصائل «الجهادية»... من الأكثر تطرفاً أو مغالاةً إلى الأقل «اعتدالاً». بدءاً من «داعش»، بمحاكمها «الشرعية»، وبقوة تنفيذية تسمّى «الحسبة»، إلى «جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، عبر محاكمهما الخاصة، أو المشتركة في إدلب كـ«محكمة جيش الفتح»، برئاسة السعودي عبد الله المحيسني، وصولاً إلى «الجيش الحر». أما متزعم الغوطة الشرقية زهران علوش، وفصيله «جيش الإسلام»، فله محكمته الخاصة المسمّاة «القضاء الموحّد».
ويرى أحد «شرعيي» «تنظيم القاعدة في بلاد الشام _ جبهة النصرة»، أن «القضاء في المناطق المحررة فرض نفسه»، مضيفاً أن الهدف من إنشاء المحاكم هو «الحصول على الشرعية»، و«قضاء حاجات الناس، وفض النزاعات بينهم»، عبر محاكم «تختلف كلياً عن محاكم النظام في الشكل والآليات والقوانين».
فمنذ بدايات الحرب اتهم معارضو الدولة السورية محاكم «النظام» بـ«الشكلية» و«غير العادلة». وأقنعوا القواعد الشعبية القاطنة في أماكن نفوذهم بأن محاكم «المجاهدين» ستحكم «بشرع الله». وباتت الشريعة الإسلامية شمّاعةً لأحكام يصدرها «القضاة الشرعيون»، الذين غذّوا خلافات بين المسلحين أنفسهم، أو «حكّموا بأهوائهم». وأضحت الشريعة مجرد «شعار» لزعيم الفصيل أو أصحاب النفوذ فيه.
وفيما تقر دول العالم مساراً تدريجياً للقضاة، إلا أن الجماعات «الجهادية» أفرزت نظاماً خاصاً ومعايير مختلفة لقبول «القضاة». فدور العدل لا تقبل سوى «خريجين حقوقيين أو شرعيين من ذوي السمعة الطيبه والكفاءة»، اللتين يكتسبونهما من «العمل في القضاء منذ بداية الثورة».
إلا أن «السقطة الكبرى»، بحسب مصدر «قاعدي»، كانت بتغيير «الهيكيلة القضائية»، التي فرّقت بين «القضاء الشرعي» و«الهيئة الشرعية». فالأول «يعتمد على القانون العربي الموحد كمرجعية قانونية»، أما الأخيرة، فكانت تسمى في بداية تشكيلها «الرباعية»، وتضم ألوية عدّة، منها «جبهة النصرة»، و«لواء التوحيد»، و«حركة أحرار الشام». أما طريقة استصدار الأحكام فتأتي عن طريق «الاجتهاد»، فلا «يُعتمد على قانون محدد، بل إن كل قاضٍ يجتهد بحسب فهمه للدليل». وتحاول التنظيمات «تحييد واستثناء الخبرات القضائية التخصيصية»، التي هي «رسوبيات نظام الأسد»، فيما يجري ترويج وإعداد «قضاة الضرورة»، الذين يخضعون لدورة تدريبية، ومدتها أربعة أيام فقط، ليبدأوا بمزاولة العمل في المعترك القضائي.
ويُؤخذ على «دور القضاء» تملّص مسلحي الفصائل من أحكامها. وبمتابعة أخبارهم، فإن أي فصيل يحق له محاصرة «دار القضاء»، ولا يستطيع أحد أن يوقفه أو يحاسبه لاحقاً. وكانت لمدينة حلب، وريفها حصة الأسد من ذلك، وخصوصاً أن «الإقتتال الجهادي» نتج من قرار «قاضي ضرورة».
أما الضعفاء أو القاطنون في مناطق نفوذ الجماعات، فتسري فيما بينهم مقولة «القضاء يطبق على الضعفاء فقط»، إذ تظهر الصرامة في تطبيق الأحكام و«الحدود»، وخصوصاً في «الإعدامات» العلنية للمتهمين بقضايا «اللواط والاغتصاب».
أما «حدّ» القتل، وتحديداً «الذبح»، فهو مشترك بين المحاكم المختلفة. التهمة جاهزة، «العمالة لفصيل آخر»، «إخبار النظام عن أماكن المجاهدين»، فضلا عن النزاعات الشخصية بين «أمراء» الجماعات، كما حدث بين «النصرة» و«أجناد الشام» في الغوطة الشرقية، مطلع العام الجاري.





«الضعفاء» لقضاء «النصرة»: سننتقم منكم

نشر أحد قادة «النصرة»، السابقين، صالح الحموي والمغرّد الشهير على «تويتر» باسم «أس الصراع في الشام»، دراسة بعنوان «دور القضاء بأعين الناس»، بهدف تسليط الضوء على نظرة الناس لـ«القضاء الشرعي» لدى محاكم «النصرة». وخلصت الدراسة إلى أن اثنين من بين خمسة أشخاص حين يفرج عنهما يقولان «إن كان هذا هو الدين فلا نريده»، بسبب «سوء المعاملة من السجانين، أو تكرار سماع كلمة مرتد وكافر، أو الضرب والتعذيب والإهانة الشخصية، إضافة إلى تفاهة القضايا المدعىّ عليهم بها».
أما الإثنان الآخران فإنهما «يجهّزن» أنفسهما «للأخذ بالثأر من النصرة»، والأسباب تعود إلى «سحب سلاحهما وسياراتهما بحجة الانتماء لفصيل مصنف أنه من المفسدين، أو الوقوع بناقض مثل شتم الله أو الدين، أو تهريب دخان، أو تجارة مواد غذائية مع النظام والمناطق المحررة، أو شتم النصرة والمجاهدين، أو القول إننا لا نريد تطبيق الحدود». في المقابل فإن الشخص الخامس يقول إنه «راضٍ بالحكم»، لأن الحكم كان لمصلحته.
كما شملت الدراسة شريحة «العاملين بدور القضاء في القوة التنفيذية وجهاز الحسبة»، وبيّنت ان اثنين من خمسة أشخاص يهربان بعد فترة لـ«داعش»، بحجة «عدم إقامة الحدود كاملة»، أو «لتأثره بأحكام التكفير والغلو». أما الإثنان الآخران فإنهما يرفضان الذهاب لـ«الغزوات والرباط» لـ«حبّهما العمل في جهاز الشرطة»، وخصوصاً أن «الاعتقال والمداهمة والتعذيب، تُشعرهما بنشوة السلطة وتطبيق شرع الله على العباد». ويريان أيضاً أن «النصر تأخر لعدم تطبيق الحدود الشرعية». أما الخامس، فإنه يرضى بالذهاب لـ«الغزوات بشرط العودة إلى عمله في الحسبة».





«دار العدل» في حوران تنقلب على «النصرة»

رفضت «جبهة النصرة» في الجنوب السوري، مطلع الأسبوع الماضي، اعتماد محكمة «دار العدل» في حوران «القانون العربي الموحد»، باعتباره «مخالفاً للشريعة في عدد من مواده، ويخالف ميثاق تأسيس دار العدل الذي ينص على أن الكتاب والسنة هما المرجع في فض النزاع». وأكدّت «النصرة» أنها "علّقت عملها في دار العدل منذ ستة أشهر، وسحبت كل قضاتها وعناصر أمنها من المحكمة».
أما «دار العدل»، التي كانت تأتمر بأوامر «النصرة»، وتحديداً في ما يتعلّق بالنزاع بين «النصرة» و«أحرار الشام»، من جهة، و«لواء شهداء اليرموك»، المبايع لـ«داعش»، من جهة أخرى، فقد بررت «استدارتها» بأن «مجلس الإدارة ولجنة التطوير في دار العدل اعتمدا القانون العربي الموحد مرجعاً عاماً للقضاء في المحكمة، وذلك بعد استفتاء العديد من العلماء وطلبة العلم وعلى رأسهم المجلس الإسلامي السوري». وجاء في بيان المحكمة ان «المصلحة الشرعية تقتضي تأجيل إقامة بعض الحدود، بسبب عدم حصول التمكين المعتبر شرعاً وبسبب الحرب والاضطرابات التي تمر بها البلاد، إضافة إلى ضيق العيش وتفشي الجل والفساد المتراكم على العباد». وأضاف البيان إن «المصلحتين الإدارية والتنظيمية يؤمنهما القانون العربي الموحد، بتنظيمه لجوانب إجرائية للقضاء، بدءاً من دخول القضية إلى المحكمة حتى صدور قرار الحكم وتنظيم عمل المحاكم المختصة».