دمشق | استيقظت دمشق، صباح أمس، على صوت انفجارين هزّا أركانها ناجمين عن انفجار سيارة أمام مبنى قيادة أركان الجيش السوري، وانفجار سيارة أُخرى في منطقة أبو رمانة القريبة من المكان. الانفجاران خلقا بلبلة في دمشق؛ شوارع مغلقة، اشتباكات لا تتوقف في ساحة الأمويين ومحيطها. لا امتيازات للمرور إلا للمشاة. لا وسائل إعلامية يمكنها الوصول إلى المكان، والتحذيرات تخيّم على أحاديث سكان دمشق. «لا تحاولوا الوصول إلى هُنا. الوضع سيّئ».


جملة قالها أحد العاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون عبر الهاتف. كل الطرق فارغة، إذ إن الخيبة سادت النفوس. كذلك أُجّل مؤتمر قوى الائتلاف للتغيير السلمي إلى بعد الظهر، بعدما كان من المزمع عقده صباحاً في أبي رمانة على بعد 200 متر من مكان الانفجار، فيما تمّ إلغاء كل الأعمال والنشاطات لتتوقف الحياة كلياً.
لم يتأخر وزير الإعلام السوري، عمران الزعبي، في الخروج إلى الإعلام ليعلن أن الانفجارين ناجمان عن عبوتين ناسفتين في المكان المذكور، وأن الأضرار اقتصرت على الماديات. كلام لاقى استياءً غير مسبوق في الأوساط الشعبية، فـ«العبوتان الناسفتان» أحدثتا صوتاً هائلاً، مخلّفتين دماراً كبيراً، فيما كانت الأنباء تتوالى عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، ولا سيما بعد الاشتباكات العنيفة في محيط الانفجار، إضافة إلى أحاديث من هُنا وهُناك تتناقل أخباراً عن وقوع الانفجارين تغطيةً على انشقاقات حصلت في «الأركان»، وسط توقعات عن تصعيد محتمل خلال اليومين الآتيين في العاصمة، على اعتبار أن المعركة تأخذ بُعداً آخر إثر انتقال قيادة «الجيش الحر» من تركيا إلى داخل الأراضي السورية.
الجدال حول الهجوم حسمه التلفزيون السوري، مساءً، بالإشارة إلى أن التفجيرين نفذهما انتحاريان يقودان سيارتين مفخختين، وأدّيا إلى مقتل أربعة من حراس المبنى وإصابة 14 آخرين، فيما تبنّت مجموعة إسلامية التفجيرين، مؤكدة أنّ منفذيهما هم خمسة من أفرادها، بينهم انتحاري، بحسب ما جاء في بيان نشر على الإنترنت. وقال «تجمع أنصار الإسلام _ دمشق وريفها»، في بيان، «قام أحد مجاهدينا الاستشهاديين باستهداف المدخل الرئيسي للمبنى عن طريق تفجير سيارته»، بينما «قامت مجموعة ثانية مؤلفة من أربعة مجاهدين باقتحام المدخل»، وقاموا «بالتعاون مع بعض الشرفاء من داخل المبنى» بتفجير «العبوات المزروعة في الطابق الثالث».
وكان «الجيش السوري الحر» قد أعلن، أيضاً، مسؤوليته عن التفجيرين. وقال المكتب الإعلامي للمجلس العسكري للجيش السوري الحر، في بيان، إن الجيش السوري الحر استهدف مبنى هيئة الأركان في ساحة الأمويين بدمشق، وإن عشرات قتلوا في التفجيرين.
الثانية بعد الظهر. دمشق بدأت تستيقظ من الصدمة وتستعيد شيئاً من الحركة. حركة سير خفيفة للسيارات، بينما ازداد عدد المارة للتفرج من بعيد على آثار الحريق المندلع في مبنى الأركان. عناصر من الجيش منعت السيارات من الاقتراب تحت أيّ حجة. أما الشرطة العسكرية فبدا عناصرها مشغولين باقتياد عدد من المطلوبين، حتى لم تعد تتسع لهم إحدى سيارات نقل السجناء وسط حراسة مشدّدة.
دخول عدد من إعلاميي التلفزيون السوري الرسمي ووكالة «سانا» ومراسلي عدد من وكالات الأنباء تمّ بعد سماح الجيش لهم بأخذ لقطات لمكان الانفجار. وصول وسائل الإعلام إلى المكان تمخض عن إصابة مدير قناة «العالم» حسين مرتضى ومقتل مراسل «برس تي في» الإيراني مايا ناصر، اللذين كانا في طليعة مرافقي الجيش للوصول إلى داخل مبنى الأركان بهدف تغطية الاشتباكات وتتبّعها عن قرب. أرخى الخبر بظلاله على كل شيء، فالأمر لم يعد لعبة. أحد الصحافيين، ممن شهد حادثة مقتل ناصر وإصابة مرتضى، أفاد «الأخبار» بأن مدير قناة العالم ومراسل «برس تي في» كانا موجودين منذ بداية العمليات، وفي الصفوف الأمامية للإعلاميين الذين يشهدون اشتباكات خفيفة بين الجيش ومسلحين داخل المبنى. ويتابع الصحافي قائلاً: «انكفأ مراسلو باقي المحطات للاختباء خلف المبنى عند احتدام إطلاق النار، ولا سيّما عندما تبيّن أنّ أحد المسلحين يرتدي حزاماً ناسفاً، وقام بتفجير نفسه أثناء الاشتباك».
ورغم ارتداء ناصر خوذة مموّهة، مدّه بها الجيش السوري وسترة واقية للرصاص، توفي على الفور إثر قنصه من قبل أحد المسلحين، بحسب الصحافي الذي رفض التصريح عن اسمه، لأنه ينتمي إلى مؤسسة إعلامية رسمية. مصدر إعلامي أفاد «الأخبار» بأنّ وضع مرتضى مستقرّ في المستشفى إثر تعرضه لطلق ناري في الخاصرة، فيما لم يتمّ فعل شيء لإسعاف ناصر بسبب استشهاده داخل المبنى قبل وصوله إلى المستشفى.
ورغم أن المساء زار العاصمة السورية بهدوء حذر، وبدأ الناس ينزلون إلى الشارع يحملون خبزهم ويشترون حاجياتهم والمقاهي تستعيد زبائنها، كسا الحزن الملامح وترك مسحته على الوجوه بانتظار الأيام المقبلة التي يُتوقّع أن تكون أكثر عنفاً ودموية.
في سياق آخر، أشار المرصد السوري لحقوق الانسان إلى «استشهاد ما لا يقل عن 16 مواطناً بحارة التركمان في حيّ برزة بدمشق، إثر اطلاق الرصاص عليهم من مسلحين موالين للنظام بحسب ناشطين من الحي»، فيما تشهد مدينة بانياس الساحلية حملة اعتقالات واسعة، أدّت الى اعتقال نحو 68 شخصاً على الاقل، بحسب المرصد.
وأشار المرصد، في بيان، إلى أنّ «الأجهزة الأمنية في مدينة بانياس اعتقلت 25 سيدة وثلاثة أطفال وأكثر من 40 رجلاً ضمن حملة مستمرة منذ أربعة أيام»، موضحاً أنّها تشمل «الأحياء الجنوبية للمدينة والقرى الجنوبية الثائرة على النظام».