شهدت مدينة حلب معارك «غير مسبوقة» يوم أمس، بالتزامن مع تظاهرات في مناطق مختلفة في «جمعة توحيد كتائب الجيش السوري الحر». وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنّه «خرجت أحياء الفردوس، وبستان القصر، والأنصاري، والأشرفية، والسكري والفرقان، وباب قنسرين، والمعادي، والشعار، والقاطرجي، وحلب الجديدة» في تظاهرات أسبوعية مناهضة للنظام، ومطالبة بتوحيد المجموعات المقاتلة المعارضة له، التي تفتقر إلى هيكلية واضحة.

وشهدت حلب، أمس، معارك «غير مسبوقة» و«على جبهات عدة» بحسب ما أفاد سكان والمرصد، كما شملت التظاهرات بلدات عدة في ريف حلب، منها الابزمو، فيما شهدت بلدات في ريف دمشق، ومحافظة حماة، وإدلب، والحسكة، ودرعا تظاهرات مماثلة.
في سياق آخر، يسعى مقاتلو المعارضة السورية جاهدين إلى التقدم في معركة مع القوات الحكومية للسيطرة على حلب، أكبر مدن سوريا. وقال أحد قادة لواء التوحيد «على جبهة (حيّ) صلاح الدين، تمكنا من السيطرة على إحدى قواعد القوات النظامية، وقتل 25 جندياً على الأقل في هذا الهجوم». وقال أحد المقاتلين المعارضين في هذا اللواء، «سمعنا الجنود عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية يطلبون من قادتهم ارسال الدعم. كانوا يبكون ويقولون سنموت جميعاً». وأوضح مقاتل آخر أنّ 20 مقاتلاً معارضاً قتلوا، وأصيب 60 آخرون بجروح في الاشتباكات. وفي صلاح الدين، تقدّم المقاتلون قبل أن يضطروا إلى التراجع بسبب نقص الذخيرة.
وتراجعت حدة الاشتباكات بعد ظهر أمس، وأفادت وكالة «فرانس برس» في المدينة أن أصوات رشقات نارية كانت تسمع كل 15 دقيقة في حيّي الإذاعة وبستان القصر. وأوضح المرصد أنّ المقاتلين المعارضين الموجودين في حلب «هم من كل المناطق السورية»، واستقدموا تعزيزات «في العدد والمعدات» قبل بدء هجوم «حاسم»، أول من أمس، لكنهم ما زالوا غير قادرين على مجاراة القوة النارية للقوات النظامية. وأوضح أنّ «النظام غير قادر على الحسم، ولا الثوار قادرون على السيطرة على أحياء بكاملها».
وكان مصدر عسكري قد أكّد لوكالة «فرانس برس» أنّ الاشتباكات الأكثر حدة اندلعت في حيّي العرقوب وميسلون، واستمرت عدة ساعات. وأوضح المصدر نفسه أن عشرة من المقاتلين المعارضين قتلوا لدى محاولتهم اقتحام حيّ الشيخ مسعود، ذي الغالبية الكردية في شمال المدينة، فيما قال التلفزيون الرسمي إن «مجموعات إرهابية» تطلق قذائف المورتر على منطقة بجنوب شرق المدينة، ما أودى بحياة ثلاثة أشخاص بينهم طفلان وإصابة عشرة آخرين.
في الوقت عينه، شنّت القوات النظامية هجوماً على أحياء يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في شمال العاصمة دمشق، فدمرت منازل ونفذت سلسلة اعتقالات، وفق المرصد السوري لحقوق الانسان. وأكد مصدر عسكري أنّ معارك عنيفة اندلعت في أحياء العرقوب وميسلون. وأشار المصدر إلى أنّ مقاتلي المعارضة حاولوا «عدة مرات» اقتحام ساحة سعد الله الجابري وسط المدينة، الا أنهم لم ينجحوا في ذلك.
كذلك أفاد سكان في أحياء بوسط المدينة، يسيطر عليها النظام، كانت حتى الآن بمنأى من أعمال العنف مثل السليمانية وسيد علي، عن إطلاق نار «غير مسبوق». وأشاروا إلى أنّ قذيفة هاون أدت إلى مقتل «أربعة اشخاص من عائلة واحدة في سيد علي». وقتل مدني في قصف استهدف حيّ المرجة بحسب المرصد، كما تعرضت الأحياء التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة لقصف متواصل من قبل القوات النظامية، على ما أفادت «فرانس برس».
وفي موازاة ذلك، في العاصمة دمشق، «تقوم القوات النظامية باقتحام أحياء برزة وجوبر والقابون»، مع «قطع للطرق المؤدية للحيّ وعمليات دهم واعتقالات، شملت عدداً من المواطنين في حيّ برزة»، وفق المرصد. من جهتها، تحدثت «الهيئة العامة للثورة السورية» عن حملة أمنية وعسكرية واسعة النطاق في هذه الأحياء، مشيرةً إلى تعرض عدد من المنازل والمحال التجارية للتدمير.
من ناحية أخرى، قال دبلوماسيون إنّ المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية كارلا ديل بونتي عيّنت، يوم أمس، للانضمام لتحقيق تجريه الأمم المتحدة بشأن جرائم حرب في سوريا. ويجمع التحقيق أدلة لمحاكمات محتملة في المستقبل، لشخصيات يشتبه في ارتكابها انتهاكات خلال الانتفاضة السورية. وشهدت السنوات الثماني التي قضتها في المحكمة ملاحقة ومحاكمة الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش.
ومدّد مجلس حقوق الانسان، التابع للأمم المتحدة، تفويض لجنة التحقيق في سوريا ستة أشهر أخرى، ودان الانتهاكات التي ترتكبها القوات الحكومية، وانتهاكات مقاتلي المعارضة.
في سياق آخر، تعهد فراس طلاس، نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، تمويل جماعات المعارضة السورية في الداخل، وتقديم مساعدات انسانية وانشاء منظمة غير حكومية للتعامل مع ما عدّها الفوضى التي ستشهدها سوريا بعد رحيل نظام الرئيس بشار الأسد. وقال فراس، في مقابلة مع صحيفة «ديلي تليغراف»، إنه «سيمنح شركاته الضخمة لهيئة من الشخصيات البارزة في المعارضة السورية، لاستخدام أرباحها للمساعدة على بناء مجتمع ديموقراطي في سوريا».
وأضاف «أنا أدعم برنامجاً كاملاً لإطاحة النظام، وأضع ثروتي وراء ذلك حتى النهاية، وسأُعيد إلى سوريا كل ما أعطتني إياه، لكن إذا اعطيت كل ما عندي من المال فإن ذلك لا يساوي غراماً واحداً من الدم الذي فقده الشعب السوري»، على حدّ تعبيره. وأشار طلاس إلى أنه يخطط لانشاء منظمة غير حكومية تتولى الملكية الرسمية لإمبراطوريته المسماة «من أجل سوريا»، التي تنشط في مجالات تجارية مختلفة من تحميص القهوة إلى البناء، وتبلغ قيمتها مليارات الليرات السورية. وقال إنه «يعمل على اعداد الأوراق القانونية لتحويل ملكية امبراطوريته التجارية إلى هيئة تضمّ 7 شخصيات من قادة المعارضة السورية، وسيجعل حساباتها علنية وشفافة، واستخدام ارباحها لإعداد الشعب السوري لطريقة جديدة من التفكير، بغية تحقيق حلمه في جعل سوريا دولة ديموقراطية حقيقية». وأضاف إن كراهيته للحكومة السورية «تعود إلى قرابة عقد من الزمن، لأن عائلة الأسد تعتقد أنها تملك البلد، وحتى نحن، المقربين من النظام، تعتبرنا حراساً لها فقط، وهذه هي الطريقة التي تُدير بها سوريا».
وقال إنه «كوّن صداقات مع جزء من المعارضة السورية، ووضعا معاً دراسة عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي جرى ارسالها إلى (الرئيس) بشار، وتلقى بعد شهرين رداً بارداً سأله عن أسباب تدخله في السياسة وهو رجل أعمال»، كما انتقد جماعات المعارضة السورية في المنفى، بما في ذلك المجلس الوطني السوري، الذي وصفه بأنه «يفتقر إلى الرؤية»، مضيفاً إن الرئيس الأسد «سيبقى في السلطة 50 عاماً أخرى إذا قاد المجلس الثورة السورية». وقال إنه سيقوم بتمويل قيادة جديدة للمعارضة من داخل سوريا، بدلاً من المجلس الوطني السوري، لكنه رفض الكشف عن أسمائها، مشيراً إلى أنها «ستضم عدداً من قادة المجتمع من المدن في مختلف أنحاء سوريا، وهي جزء من مجموعة تجري الاستعدادات لتأليف حكومة انتقالية».
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)