إسطنبول | عندما قال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، إنّه لن يسافر إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بحجة انشغاله بالمؤتمر العام لحزب العدالة والتنمية، رأى العديد من الإعلاميين الأتراك أنّ ذلك إشارة مهمة لإفلاس السياسة التركية في سوريا. وجاءت المفاجأة الأهم عندما طلب وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو، أول من أمس، في نيويورك من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد التدخل في سوريا لوقف الاقتتال فيها. علماً بأن داوود أوغلو والمسؤولين الأتراك كانوا يتهمون إيران منذ البداية بدعم الرئيس الأسد لأسباب طائفية ومذهبية.

وكان قبول أنقرة للمشاركة في «مجموعة الاتصال» التي اقترحتها طهران مع مصر المؤشر الأول على التراجع الواضح في الموقف التركي، بعدما اقتنع المسؤولون الأتراك بأن العواصم الغربية، وكل من قطر والسعودية قد خذلتهم في موضوع سوريا، وهو الشعور الذي كان واضحاً في تصريحات أردوغان الأخيرة، وبرّر من خلاله موقف واشنطن باقتراب موعد الانتخابات الأميركية. واتهم أردوغان، أيضاً، ألمانيا وفرنسا بدعم «العمال الكردستاني»، علماً بأن هاتين الدولتين حليف أنقرة الاستراتيجي في ما خصّ سوريا، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن السبب الأهم في الموقف التركي الجديد هو الحملة العنيفة التي تعرّضت لها الحكومة، إذ نجح حزب الشعب الجمهوري، ومعه العديد من منظمات المجتمع المدني المدعومة من بعض وسائل الإعلام، في اقناع أكثر من 80 % من الشعب التركي بخطورة السياسة التركية حيال سوريا، بعد أن اتهمت أردوغان ووزير خارجيته بتطبيق التعليمات الأميركية وتنفيذها.
والسبب الآخر في تراجع الموقف التركي هو فشل «الجيش السوري الحر» في إحراز أيّ انتصار جدي وعملي على الأرض، على الرغم من كل الدعم الذي حظيَ به من قبل تركيا وعبرها من العواصم الغربية والعربية المختلفة. واقتنع المسؤولون الأتراك بأنّ هذه العواصم قد كذبوا على أنقرة. وجاء إعلان «الجيش الحر» نقل مقرّ قيادته من انطاكيا إلى الداخل السوري للتغطية على الموقف التركي الجديد، في الوقت الذي شكك فيه البعض الاعلاميين الأتراك بهذا الاعلان، وقالوا إنّ مقاتلي هذا الجيش لا يزالون في مخيّماتهم في تركيا، التي يعرف الجميع أن هؤلاء المقاتلين سيعودون إليها بعد كل عملية داخل سوريا. وأتت المفاجأة الأخيرة في تصريحات أردوغان عن استعداد حكومته للحوار المباشر مع زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان من أجل حلّ المشكلة الكردية، فيما رأى متابعون أنّ هذه التصريحات بمثابة المبادرة الذكية من أردوغان للتغطية على فشل سياساته في سوريا، حيث سيسعى لإلهاء الشارع التركي بهذا الموضوع الجديد حتى ينسى موضوع سوريا وما آلت إليه سياسات أنقرة. بالإضافة إلى خيبة الأمل الكبيرة التي أصيب بها أردوغان بعد أن اقتنع بأن الغرب وحلفاءه من العرب قد تركوه بمفرده في هذا المستنقع بكلّ طفيلياته الجهادية الخطيرة، وهو يحاول الآن الخروج منه بأقل الخسائر داخلياً وخارجياً. وبالطبع من دون أن يؤدي ذلك إلى كسر معنويات المجموعات المسلحة، التي باتت تعرف جيداً أن الغربيين والعرب قد باعوهم في أسواق البورصة السياسية، وكان ثمنهم رخيصاً مقابل ما تحمّله الشعب السوري من آلام ومآسٍ وأضرار مادية ومعنوية، لإرضاء حسابات الآخرين في الخارج وأهوائهم.