دمشق |بيوت عتيقة استثمرها عشرات التجار كمقاهٍ ومطاعم. الأغلبية كان مشروع المقهى بالنسبة لهم أكثر ربحاً، لأنه مشروع «شريك الماء» بحسب التعبير السوري. أمّا البعض الآخر من التجار، فقد ذهب لافتتاح المطاعم العائلية، التي تحتاج إلى باحات بيوت بمساحات أكبر. وهكذا تكبر ضريبة الاستهلاك، ويزداد عدد العمال، فضلاً عن استهلاك المولدات الكهربائية مع إزدياد ساعات التقنين الكهربائية.


العروض المعلقة على واجهات المطاعم في المدينة القديمة تختصر الحالة، فمعظم المطاعم تسعى لكسب الزبون بأي ثمن. تقدم برامج غنائية وحسومات بسيطة على الأكل. في مطعم «ورق الزمن» مثلاً يبدأ مطرب شاب بالعزف على العود، بينما لا تشغل المكان سوى سبع طاولات من أصل ثلاثين طاولة، والحضور يدخنون النارجيلة ويتحدثون عبر «واتس آب»... مع بعض المقبلات.
في المقابل يزداد عدد الزبائن في مطعم «باب الحارة» بسبب العرض المقدّم (1300 ليرة لوجبة غداء بلا لحوم تكفي لشخص واحد، ودون مطرب وعود). فالناس يبحثون عن الأسعار المنخفضة، حتى لو كان مستوى الطعام مقبولاً، لكن عموماً «في العطل وسهرات أعياد الميلاد تصبح حركة المطعم أفضل، إنما في الأوقات الحالية تبدو الحركة خاسرة، إذ إن معظم الزبائن تبحث عما يناسب الجيبة»، يقول عرين يحيى، النادل في مطعم «باب الحارة».
يتردد أصحاب المطاعم في الحديث عن الأرباح خوفاً من ملاحقة مديريات المالية لهم، وليس هذا فحسب، فأحد المستثمرين، الذي يمتلك مقهىً وخمسة مطاعم شهيرة، يروي لـ«الأخبار» عن معاناة مشاريعه في الوقت الحالي، فيقول: «حاولت بيع بعض هذه المطاعم لكن أحد المسؤولين منعني، وعرض عليَ مشاركته بحيث يتولى تأمين ما ينقص من مواد أولية ومعالجة وضع ضرائب ورسوم الإنفاق والمالية، وتأمين حتى الزبائن!». لا يبدي الرجل ارتياحاً لهذه المغامرة، فيبيع لاحقاً المقهى الذي يمتلكه لذاك المسؤول، من ثم يضع بقية المطاعم على سكة البيع.
مع إزدياد سكان دمشق ومحيطها، تحاول هذه المطاعم سد رمقها اليومي، برغم أن مطاعم مثل «زيوس» و«نيترون» أغلقت، بلا استثمار بديل، وسافر أصحابها إلى خارج البلاد منذ مطلع العام 2013. وتبعاً للتقديرات وحركة البيع والشراء في المنطقة القديمة، فإن أسعار هذه المطاعم (البيوت الدمشقية) تراوح من 120 إلى 200 مليون ليرة سورية، وربما أكثر، ومع ذلك جمدها أصحابها، ومضوا.
في عيد الأضحى وعلى غير العادة، كانت طاولات مطعم «نينار» وسط باب شرقي ممتلئة، ولولا أسعار الكحول لكان الربح متردياً، فأسعار اللحوم ارتفعت في فترة العيد إلى أربعين في المئة، لذلك يحاول المكان أن يحافظ على رواده، بحيث يعدّل الفاتورة بأرباح المشروبات الكحولية.
معظم من بقي هم من أبناء الطبقة الثرية والمتوسطة. «هناك زبائن نراهم مرة كل شهر. وزبائن يناوبون مرة كل يومين في المطعم. نحن نعتمد على كل مردود حتى لو كان ضئيلاً»، يروي عقيل شيّا مدير الصالة في مطعم «نينار آرت كافيه» لـ«الأخبار». ويضيف: «أشياء بسيطة لا تخطر في البال تكلفنا خسائر يومية بسبب انقطاع الكهرباء، فالمولد الكهربائي لا يستطيع أن يشغل البرادات دائماً، هكذا اشترينا عشرات صحون الكبة والجبنة واللحمة وفسدت بسبب انقطاع التبريد!».
قرب مطعم «جلنار» تقف مجموعة من طلاب كلية الفنون الجميلة لتناول بعض من ساندويشات البطاطا المقلية والفلافل من أحد المحال، ثم يدخلون مقهى «عالبال»، فالأسعار لا تزيد عن الـ500 ليرة للشخص، «إذا أكلنا في المطعم سوف ندفع أضعافاً، حتى لو أكلنا مناقيش! أمّا في المقهى فنشرب مشروبنا ونهرّب بعض الكحول، نجلس لساعات في الشام القديمة دون خسائر كبيرة»، يقول أدهم صباغ أحد هؤلاء الطلاب. هكذا تجد الشباب في شوارع المدينة العتيقة، يمشون ويأكلون ويقضون وقتهم بعيداً عن منشار المطاعم الخاسرة التي ما زالت على «قيد» السياحة بفضل أحجية لا أحد يعرفها.