رام الله | فقط في فلسطين يقتل الشهداء مرتين على الأقل. ولا يرتاح الموتى بعد قتلهم، فهدوء جثثهم لا يقيهم شر عدوٍ لم يكتف باغتيالهم، بل ظلّ ينكّل في جثامينهم ليبقى الألم مزروعاً في وجدان ذويهم إلى لحظة تسلّم جثث أولادهم. إسرائيل، ربما هي الشيء الوحيد في العالم الذي يحتفظ بجثامين الشهداء لمدد طويلة في «مقابر الأرقام»، وربما هي الوحيدة تسرق أعضاء الشهداء وتضع شروطاً لإعادة جثامينهم، كمنع عدم تشريح الجثة وإجراء مراسم الدفن ليلاً بحضور عدد قليل من المشيعين.

احتجاز جثامين الشهداء وسرقة أعضائهم سياسة قديمة ــ حديثة لدى العدو. ففي عام 2008 كشفت الطبيبة الإسرائيلية، مئيرة فايس، في كتابها «على جثثهم الميتة»، عن سرقة أعضاء من جثامين الفلسطينيين لزرعها في أجساد مرضى إسرائيليين، بالإضافة إلى استخدامها في الجامعات لإجراء الأبحاث عليها.

وأوردت فايس في كتابها، سماحَ معهد التشريح العدلي الرسمي الإسرائيلي «أبو كبير» باستئصال أعضاء من جثث الفلسطينيين وتخزينها في بنك الأعضاء والاستفادة منها للمرضى الإسرائيليين. وأشارت إلى أن الانتفاضة الأولى شهدت أكبر عمليات سرقة أعضاء تنفيذاً لقرار عسكري إسرائيلي.
أما في الهبة الشعبية الحالية، فصدّق الكابنيت «الإسرائيلي»، استجابةً لاقتراح وزير الأمن الداخلي، جلعاد آردان، على قرار منع إعادة جثامين مُنفّذي العمليات الفدائية ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه. وبناءً عليه لا تزال إسرائيل تحتجز 23 جثماناً لشهداء الهبّة منذ بداية تشرين الأول الماضي، مع أنها أعادت بعضهم. فمنذ أسبوع، سلّم العدو جثامين11 شهيداً كان بينهم محمد شماسنة (22 عاماً) وعمر الفقيه (23 عاماً)، من قرية قطنة قضاء القدس المحتلة، وذلك بعد ضغوط أهالي الشهداء واستمرار المواجهات.
لكن، بعد تسليم الجثمانين أظهرت الصور ضرراً كبيراً في وجه الشهيدين خاصة في منطقة العينين، ما أثار الشك في احتمالية سرقة قرنيات العين، لكن منع تشريح أي جهة حكومية فلسطينية جثامين لشهداء، حرم الأهالي توثيق أي دليل ضد العدو.
في هذا السياق، ذكرت المتحدثة الإعلامية باسم «الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء»، سلوى حماد، لـ«الأخبار»، أن «دولة الاحتلال تحتجز الجثامين كأداة لردع المقاومة الفلسطينية، ولسرقة أعضاء الشهداء». وقالت: «من الصعب معرفة هل سرقت الأعضاء خصوصاً من الذين تحتجز إسرائيل جثامينهم منذ مدة طويلة، لأن الفحص يقتصر عند تسليم أجسادهم على فحص الحمض النووي DNA فحسب».
وأوضحت حماد أنه لا يوجد دليل قطعي على سرقة الأعضاء من جثامين الشهداء في الهبّة الحالية، نظراً إلى الشروط التي يفرضها الاحتلال على ذوي الشهداء، كما حدث مع الشهيد فادي علون (19 عاماً) من القدس. وكانت عائلة علون قد طالبت بتشريح الجثمان، وهو ما قوبل بالرفض من سلطات الاحتلال التي اشترطت على العائلة دفن جثمان ابنهم فور تسلّمه. وقالت حماد إن بعض العائلات «للأسباب الدينية، لا تشرّح جثث أبنائها، ومثال ذلك عائلتا الشهيدين الفقيه وشماسنة».
كذلك تقول الحملة إنها تمتلك أدلة على سرقة العدو الإسرائيلي لأعضاء ولأنسجة الشهداء خلال الانتفاضة الأولى والثانية، فيما كان مدير معهد أبو كبير للتشريح، قد اعترف للصحفية الإسرائيلية، عميرة هس، بأنه كان يشرف شخصياً على سرقة أعضاء من جثامين لشهداء فلسطينيين، وفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية عام 2008، كشفت فيه عن تورط إسرائيل في قتل فلسطينيين بهدف سرقة أعضائهم الداخلية والاستفادة منها بصورة غير شرعية، بل الاتجار بها ضمن شبكة غير قانونية.


شرط إسرائيل في تسليم الجثامين
بمنع تشريحها يصعب كشف الحقيقة
وبثت وسائل إعلام عبرية تقارير عن الموضوع نفسه، وتضمنت التقارير أرقاماً وحالات وشواهد على سرقة إسرائيل أعضاء الشهداء، منها تحقيق القناة العاشرة عام 2014 حول ضلوع «بنك الجلد الإسرائيلي»، الأكبر في العالم، في عمليات سرقة جلد الشهداء الفلسطينيين.
حماد طالب، في هذا الإطار، بـ«تشكيل لجنة مختصة من وزارة الصحة والنيابة العامة والمؤسسات القانونية والحملة للإشراف على موضوع تشريح الجثامين». وأشارت إلى أنه «جرى تشريح جثة الشهيد طارق النتشة (18 عاماً) لكن تقرير الطبيب الشرعي لم يصدر بعد، ومن المتوقع أن تظهر نتائج التشريح خلال اليومين المقبلين وقد تحمل (وفق التوقعات) أدلة على سرقة الاحتلال أعضاء من جثمان الشهيد».
على الصعيد السياسي، بعث رئيس وفد فلسطين في منظمة الأمم المتحدة، رياض منصور، منذ ثلاثة أيام رسالة شكوى إلى الرئيس الحالي لمجلس الأمن، ماثيو ريكروفت، أكد فيها أن الاحتلال سرق أعضاء الشهداء. ووفق منصور، فإنه بعد إعادة الاحتلال جثث بعض الشهداء المحتجزين لديه منذ تشرين الأول الماضي، «اتضح خلال فحص طبي أن الجثث أعيدت من دون قرنيات العين، كذلك استئصلت أعضاء وأنسجة أخرى منها»، الأمر الذي يؤكد ما ورد في «التقارير السابقة التي تحدثت عن استئصال أعضاء الشهداء».
في المقابل، رفض سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، محتوى الشكوى، وادعى أنها مرسلة بدوافع «معادية للسامية»، وطالب الأمم المتحدة بالتنديد بالاتهام الفلسطيني، واصفاً إياه «بالخبيث»، وبأنه جزء من حملة «التحريض المتواصلة من الزعماء الفلسطينيين»، ولم يرد بغير ذلك على الاتهامات.